كان امتلاك كاميرا تصوير فوتوغرافي حلما آخر من أحلام الطفولة التي لم يكن من الصعب تحقيقها لأنها لم تكن ذات مواصفات عالية أو خاصة كتلك التي تتطلبها كاميرات الاستوديوهات أو المصورين المحترفين الذين كان عددهم محدودا في تلك المرحلة من الزمن لحداثة عهد البلاد بهذه المهنة وقلة عدد الاستوديوهات وقتها. لذلك لم تكن المشكلة في توفير ثمن الكاميرا قدْرَ ما كانت في توفير ميزانية شراء الأفلام وتحميضها وطباعة الصور التي كانت مرتفعة بالنظر إلى إمكانيات طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره لا يستطيع أن يحصل إلا على مصروفه اليومي الذي يغطي بالكاد احتياجاته في المدرسة، وهي احتياجات لا تتعدى (سندوتشا) وزجاجة مشروب غازي يقيمان أوده إلى أن يحين موعد الغداء بالبيت.

ولأن إلحاح الهواية كان قويا لديه فقد تمكن من تجاوز العقبة الأولى وشراء أول آلة تصوير في حياته. كانت الكاميرا التي اشتراها بسيطة جدا، لا تتطلب خبرة في التصوير سوى اختيار اللقطة والضغط على زر التقاط الصور، أما تركيب الفيلم ثم إخراجه من الكاميرا بعد اكتمال التصوير فقد كان يتكفل بهما صاحب الاستوديو الذي اشترى منه الكاميرا حتى اكتسب الخبرة اللازمة لذلك ولم يعد يهدر الكثير من الصور نتيجة تعريض الفيلم للضوء خلال عملية التركيب والإخراج هذه التي أجادها خلال فترة قصيرة.

كانت البداية بتصوير الوجوه، وكانت وجوه أفراد العائلة ـ عدا النساء منهم بالطبع ـ هي الأهداف الأولى التي سجلتها عدسة الكاميرا، ولأن اللهفة لرؤية نتائج التجربة الأولى في التصوير كانت كبيرة فإن استنفاد الفيلم الأول لم يستغرق أكثر من ساعة واحدة، سارع بعدها إلى الاستوديو لتسليمه وانتظار إظهار الصور الذي كان يستغرق وقتها يومين أو ثلاثة، حيث لم تكن أجهزة التحميض السريعة التي تحمض الأفلام وتظهر الصور خلال دقائق قد عرفت بعد، ولم تكن الكاميرات الرقمية التي ألغت دور الأفلام والأحماض قد اخترعت بعد، ولم يكن الناس في عجلة من أمرهم كما هو نمط الحياة المتسارع اليوم.

ولأن الوجوه التي استهواه تصويرها في البداية محدودة جدا، ولأن ملامحها تحتاج سنوات كي تتغير وتتبدل، فقد بحث لنفسه عن أهداف أخرى يشبع من خلالها نهمه للتصوير، فكان البحر أقرب شيء إليه، لذلك وجد في خور دبي والسفن التي تمخر عبابه طوال اليوم.

وتلك الراسية على ضفتيه، مجالا رحبا لالتقاط صور يعتقد أنه لو احتفظ بها لشكلت له قيمة ليست مادية بطبيعة الحال باعتبار أنها تفتقد لعامل الخبرة الذي لم يتوفر له في تلك السن المبكرة، لكن قيمتها المعنوية كبيرة لأنها ترتبط بالوجدان وبتلك المرحلة واللحظة التي ضغط فيها على زر التصوير فاقتنص اللقطة التي لا تستطيع الذاكرة أن تحتفظ بها بالمقدار نفسه الذي تستطيع الصورة أن تسجلها.

أين ذهبت كل تلك الصور التي استنزفت مصروفه اليومي و(العيديات) ومكافآت النجاح التي كان يحصل عليها، واضطرته أحيانا للجوء إلى السحب على المكشوف من رصيد المصروف الضئيل للحصول على المبالغ التي تمكنه من إشباع هوايته؟ وكيف ذهبت تلك الصور التي يبحث اليوم عن واحدة منها فلا يجدها إلا في الذاكرة التي شك ذات يوم في مقدرتها على اختزانها بالتفاصيل الدقيقة التي احتوتها؟

هذه حكاية شرحها يطول، لكنها تبقى واحدة من حكايات الذاكرة الخالدة التي تستعصي على النسيان مهما تباعد بها الزمان، لأن النسيان لا يتسلل إلا إلى تلك الزوايا الباردة منها، أما الزوايا المتوهجة فتظل مطبوعة في الذاكرة مثل صورة حديثة التصوير واضحة المعالم.

aliobaid4000@yahoo.com