أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض..

وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

ماكينة تصوير المستندات لم تكن الريح رخاء.. كان اقتصاد أميركا يتجاوز أسوأ ضائقة مالية في القرن العشرين ورغم أن مهنة المحاماة في أميركا مربحة إلى حد ليس بالقليل. فقد جاء الكساد الكبير الذي ألمّ بأميركا خلال النصف الأول من الثلاثينات ليضطر المحامي المحترم شستر كارلسون إلى تبدل وظيفة كتابية متواضعة في مكتب براءات الاختراع في إحدى شركات نيويورك. كانت وظيفته تتطلب مراجعة وتدقيق البراءات المنشورة مشفوعة بالرسومات والتصاميم التي قدمها المخترعون..

كان ذلك يقتضي بالطبع توافر نسخ عديدة من الأصل لزوم تصدير المراسلات والحفظ في الملفات. وكان السبيل إلى هذا أسلوبا واحدا يصيب صاحبه بالملل والإرهاق.. لأنه ببساطة كان أسلوب النسخ بخط اليد. من هنا تراكمت الهموم على كاهل الشاب: مرتب ضئيل وعمل مرهق وملل بغير حدود.. ومهمة تقتضي الإمعان في التفاصيل..

ومن هنا أيضاً كان تفكيره مليا في التوصل إلى أسلوب جديد لنسخ المستندات. ومن هنا كذلك كان اتجاهه لمزيد من البحث في هذا المجال بين جدران المكتبة العامة في مدينة نيويورك.. وكانت البداية هي دراسة اكتشافات سبق إليها في عام 1937 عالم الفيزياء البلغاري جورجي نادجاكوف وتتعلق بإيجاد وسط أو مجال كهربائي يتعرض للضوء ويؤدي إلى استقطاب وتماسك جزئيات الجسم المطلوب استنساخه.

في مطبخ منزله.. مسلحا بحصيلة القراءات التي اطلع عليها.. ومنطلقا من إرادة ممرورة تولدت أولا عن إصابته بالروماتيزم وتصلب الأطراف من جراء عكوفه الطويل على عملية نسخ المستندات، ظل كارلسون يمضي الليالي المسهدات الطوال وسط الأحماض وألواح التصوير.. ذات يوم اشتكت الفتاة ابنة صاحبة المنزل من الروائح المنبعثة من الأحماض والكيماويات..

وما كان من المخترع الشاب إلا أن.. تزوجها.. ربما لإسكاتها وربما لأسباب أخرى!.. وكان طبيعيا أن يكافأ على إصراره الثابت وصبره الطويل حين اكتشف ذات يوم أن لوح الزنك الذي كان يستخدمه في المختبر البيتي كانت تعلوه طبقة من مادة الكبريت..

واتضح أن اللوح ظل محتفظا بحروف الكتابة ليفضي إلى نجاح التجربة ـــ أول تجربة في فن «الالكتروفوتوغرافيا» بمعنى التوصل إلى أول نسخة تصوير فوتوكوبي باستخدام هذا اللوح الزنكي الذي كانت تعلوه كلمات الزمان والمكان وهي يوم 22 من أكتوبر عام 1938 ـــ أستوريا، حي من الأحياء السكنية في نيويورك حيث كان صاحبنا يواصل بحوثه في سكنه خلف صالون التجميل الذي كانت تديره السيدة حماته في ذلك الحين.

ورغم أن اختراع التصوير الالكتروني تم تسجيله في خريف عام 1938 إلا أن المخترع لم يجد مؤسسة تتبناه أو تتحمس لإنتاجه، خاصة وقد كان السوق قد استخدم أساليب صنع النسخ باستعمال ورق الكربون أو ماكينات طبع النسخ التي جعلت الناس لا يشعرون بالحاجة إلى ماكينة تصوير الكتروني في هذا الميدان 20 شركة رفضت اختراع المحامي كارلسون إلى أن جاء عام 1947 ليشهد اهتمام شركة صغيرة في نيويورك بالموضوع وبلغ اهتمامها أن طلبت فتوى من عالم لغويات من أجل تغيير اسم الالكتروفوتوغرافيا الصعب الثقيل إلى اسم أكثر رشاقة فما كان من أستاذ اللغات القديمة إلا أن اقترح اسما مشتقا من عبارة «الكتابة الجافة» في اللغة اليونانية وهي «زيروغرافي» ومن ثم خلع المنتجون على ماكيناتهم المستحدثة اسم «زيروكس»..

وكان طبيعيا أيضاً أن يواكب تغيير الاسم عمليات أخرى لتطوير الاختراع خلال مرحلة زمنية استغرقت نحوا من 20 سنة! إلى أن استقبلت الأسواق أول ماكينة تصوير كهربائية لنسخ المستندات في الحال، وكان ذلك في عام 1958، وكان بديهيا أن تكون بمثابة قرّة العين للمبتكر الأول شستر كارلسون الذي بدأ كاتبا غلبانا ينسخ المستند باليد.. إلى أن رحل عن الدنيا في عام 1968 مليونيرا واسع الثراء ومتبرعا سخيا للأعمال الخيرية.

على أن السنوات الثلاثين الأخيرة شهدت تطويرات شتى تم إضفاؤها على النماذج ـــ الأولية لهذه الآلة المفيدة في عالم المكتبات ودنيا التربية والتعليم ودوائر إنشاء المشاريع وإدارة الأعمال التجارية وممارسة مختلف المهن التي تتطلب نسخ المستندات، ما بين مكاتب المحاماة إلى أخصائيي المحاسبة المالية والضرائب، دع عنك المحاكم بشتى مستوياتها. صحيح أن الأمر ظل يقتضي بالضرورة مضاهاة الأصل بالنسخة ـــ الصورة كما يسمونها، إلا أن الأمر أيضاً أعفى أجيالا من الكتبة ومساعديهم من عمليات النسخ اليدوي التي سادت تلك المجالات على امتداد سنوات وسنوات.

وحتى من الناحية اللغوية جاءت كلمة «زيروكس» لتدخل القواميس على أنها فعل التصوير اللحظي بالماكينات الالكترونية المدارة بطاقة الكهرباء، فكان أن ألغت بذلك كلمة «الفوتوستات» القديمة. والحاصل أن منتجي الأجيال الأولى من تلك الماكينات استغلوا إقبال المستهلكين على اقتنائها واستخدامها، فكان أن طرحوا معها في الأسواق نوعية معينة من الورق الذي يستخدم في تلك الماكينات على أساس أنه مصمم بشكل خاص على نحو ما شهدته الستينات والسبعينات.

ولكن مع الثمانينات وما بعدها استطاعت الأسواق حل هذه العقدة فاستخدمت أولا الورق العادي وطورت الماكينات إلى حيث تنتج ثانيا نسخا بالألوان بعد أن كانوا قد أنتجوا أول نموذج لماكينة نسخ تصويري ملون في عام 1973. ولأن لكل شيء فائدة ومضارا..

فبينما استقبل العلماء والدارسون وأخصائيو صناعة الإعلان والسياحة ومن في حكمهم ماكينات التصوير الملون بالترحيب والتهليل.. أكفهرت أسارير قادة الأمن العام والشرطة.. وخاصة دوائر مكافحة التزييف ـــ فكان أن سارعت بلدان كثيرة على تطوير واقتناء تكنولوجيات مكافحة تزييف العملات المالية.. بيد أن السجال ما برح محتدما بين حراس القانون وبين الخارجين على القانون وخاصة في ميدان التكنولوجيا.

ولا سيما بعد إدخال التكنولوجيا الرقمية التي يسرت تعّرف المالكينة على الأعداد المطلوبة من النسخ في نفس اللحظة. وفضلا عن سرعة ودقة الإنجاز.. أضيفت أيضاً ميزات وإمكانات تتيح تصوير وجهي المستند تلقائيا مع العمل على تدبيس النسخ الناتجة.. وكلها بطبيعة الحال تكفل مزيدا من الدقة والراحة إلى حد التدليل للكائن البشري الذي يتعامل مع الآلة لكن مع تحذير هذا الكائن من استخدام تكنولوجيا التصوير الملون في تزييف البنكنوت.

السحّاب ـــ السوستة

في المشرق العربي يسمونه «السَحّاب» (بتشديد الحاء) وفي مصر يكتفون بتدليله باسم «السوستة». وهو اختراع يبدو بسيطا هينا.. ولكنه انطوى بالتأكيد على تيسير لحياة الناس في زماننا لدرجة أن البعض يصفونه ـــ على تواضعه ـــ بأنه استطاع أن يضم تفاصيل الحياة لإنسان هذا العصر إلى بعضها البعض حتى بات من أدوات وربما من مستلزمات الحياة اليومية لهذا الإنسان.. أيا كان ملبسه وأيا كان أسلوب حياته..

فالسحّاب إياه يستخدم في إحكام إغلاق منافذ الثياب وهو أيضاً لا غنى عنه في الحقائب والأدوات والمصنوعات الجلدية.. وها هي صناعات الأزياء وصرعات الموضة تضفي كل يوم على هذه الأداة الساذجة، أو التي تبدو كذلك، لمسات تجمع بين الابتكار والجمال والمنفعة في آن واحد.

ربما بدأ التفكير في هذه الأداة بعد أن اطمئن العالم إلى اختراع جم الفائدة جليل الأثر هو ابتكار ماكينة الخياطة ـــ الحائكة الآلية التي توصل إليها إلياس هاو (1819 ـــ 1867) وكان ذلك بالتحديد في عام 1846 والغريب أن نفس المخترع الأميركي راودته فكرة ابتكار وسيلة لغلق فتحات الثياب التي تنتجها ماكينته الآلية الأثيرة ـــ فكان أن سجل اختراعا في عام 1851 تحت عنوان «وسيلة إغلاق الثياب بطريقة أوتوماتيكية».

ولم يتابع المسألة، التي ظلت معلقة على مدار 44 سنة إلى أن جاء «ويتكومب جدسون» ليبتكر أداة ـــ وسيلة تؤدي الغرض المنشود في عام 1893، ويخلع عليها وصفا أقرب إلى معنى «القفل المحكم الرتاج»، وكان مقصده الأساسي أن يلتمس هذه الوسيلة لإحكام رباط الحذاء الطويل الرقبة ـــ البوت ـــ كما يسمونه.

المشكلة أن النماذج الأولى من هذه الأداة كانت عبارة عن سلسلة متدرجة ضخمة الحجم وأحيانا كانت تفغر فاها وتفك تروسها المتداخلة مع بعضها البعض فإذا بها تنفتح فجأة وتسبب إحراجا لمستخدميها. ومع السنوات الأولى من القرن العشرين كانت الأداة الجديدة غير عملية وظل مبتكرها الأميركي ومعاونوه عاجزين عن إنتاجها بأعداد كبيرة ومن ثم عن تسويقها اقتصاديا.. وربما ظل الأمر بانتظار مشاركة نابغة آخر جاء من السويد هذه المرة مهاجرا إلى أميركا في عام 1905.

كان سوندباك مهندسا كهربائيا وعندما عكف على تطوير الابتكار فكّر في أن يكون له جانبان أو ضفتان الأولى عبارة عن فك له ما يشبه الأسنان المعدنية وتقابلها الثانية التي تحتوي على نتوءات يتم تعشيقها في أنياب الفك المقابل حيث يتحرك السحّاب في مجراه وكل حركة تغلق فتحة حيث ساد الاستخدام بداية في مجالين أساسيين أولهما: الأحذية العالية والثاني أكياس الطباق التي كانوا يحشون منها الغليون ـــ البايب لزوم التدخين..

ورغم تسجيل الاختراع في 27/8/1914 فقد استغرق الأمر نحوا من 20 سنة من سنوات القرن الماضي ريثما اقتنع حائكو ومصممو الثياب باستخدام الأداة الجديدة بديلا عن، أو على الأقل، مع الأزرار والخيوط التقليدية في قفل الثياب.. وساعد قيام الحرب العالمية الأولى على توسع استخدام هذا السحّاب ـــ السوستة من أجل إحكام غلق أكياس النقود وأزياء قادة الطائرات وكانت بدورها مستجدة في تلك الأيام. وحين جاء عام 1935 كان السحاب ـــ السوستة هو سيد الموقف في ثياب الرجال والنساء على السواء.

محمد الخولي