إذا أراد الإنسان الاتصال بالله فعليه بالصوم بمعناه العميق، والصلاة والذكر اللانهائي مثل الأنبياء والرسل والصالحين الذين يعمقون الصلة بالله بالصوم حتى يكون انفعالهم ملائكياً، وتسبيحهم ملائكياً، وصلتهم بالله كصلة الملائكة بالعرش العظيم حتى يأتيهم اليقين، ويروا نور الله العظيم.

ولقد نذرت مريم ـــ التي اصطفاها الله، وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين ــــ للرحمن صوماً، وهي الطاهرة البتول، ليكون الرحمن الرحيم معها أينما وجدت.. كانت تناديها الملائكة، وتتحدث إليها، وهي قائمة تصلي في المحراب.. والصوم كان يسمو بنفسها إلى نور الله العظيم، فترى الطمأنينة والرضا بقدر الله، ويناديها جبريل: ألا تحزني، وألا تعيشي في قلق، بل قريرة العين، مرتاحة الضمير، مطمئنة إلى رعاية الرحمن الرحيم. والصوم بمعناه الكبير هو نوع من التسامي النفسي، والشفافية الروحية، والاتصال الوجداني بالبارئ العظيم، وهو دعم لقوة الروح التي تسيطر على مادية الجسم، وهو ركيزة من ركائز الإيمان. والصوم الحقيقي دعوة إلى السمو الخلقي، والبعد عن الخطايا، وهو نوع من الاسترخاء النفسي والعقلي. والمؤمن الصائم يتصف بالسماحة الخلقية، وهو من الكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، وهو ممن يتصفون بالسيطرة على الغضب.

والغضب والغيظ والحقد على الناس طريق يؤدي إلى هلاك الإنسان، كيف؟

أنت حينما ينتابك الغضب أو الغيظ أو الحقد على الناس يلبسك الشيطان، ويتقمص شخصيتك، فتكون أنت الشيطان نفسه في تصرفاتك وانفعالاتك الشخصية.

ورسالة الغضب والغيظ والحقد تنتقل إلى مستويات المخ العليا، حيث ستستقبلها مراكز كيميائية تتفاعل معها، وتنقلها إلى جسم يسمى «هيبوثلاموس» (Hypothalmus) بطريقة كيميائية معجزة، حيث تنتقل بدورها إلى الغدة المعجزة الغدة النخامية (Pituitary).

معجزة الغدة النخامية

الغدة النخامية هي معجزة من معجزات الخالق (سبحانه وتعالى)، وتلك الغدة التي تزن حوالي نصف جرام (حجم الحمصة الصغيرة) تفرز العديد من هرمونات رئيسة في الدم تحمل الأوامر المباشرة إلى كل الغدد الهرمونية الموجودة في الجسم، وبذلك تُجري تبنيها لتلك الغدد الأخرى، لتفرز هرموناتها فوراً في الدم.

والغدة الرئيسية التي تنفعل عند الغيظ والغضب والحقد هي غدة الأدرينال (فوق الكلية)، وطولها بوصتان، وعرضها بوصة، ووزنها أوقية تقريباً، وتتكون من قسمين: القشرة واللب (مثل قشرة البندق ولبها)، وكل قسم يفرز الهرمونات الخاصة به، وتفرز القشرة العديد من الهرمونات التي تؤثر في عمليات التمثيل في الجسم. كذلك يفرز لب الأدرينال هرمونين: الأدرينالين Adrenalin والنورادينالين Noraderanalin.

عند الغضب والغيظ والحقد ترسل الغدة النخامية الأمر إلى غدة «الأدرينال» التي تستجيب على الفور، حيث يفرز هرمون «الأدرينالين»، الذي يؤدي إفرازه في الدم إلى تغيرات فسيولوجية وكيميائية حيوية مذهلة، إنه يهيئ الجسم لقوى شيطانية رهيبة، وذلك استجابة لإشارة التهديد الصادرة من الغضب والغيظ والحقد، وتقوم أيضاً غدة «الأدرينال» بإفراز هرمونات القشرة مثل هرمون «الكورتيزون»، لإعداد الجسم بيولوجيا للدفاع عن الإرهاق النفسي بأشكاله المختلفة.

وحينما يتعرض الإنسان إلى تلك الانفعالات السابق ذكرها لفترات مستمرة تزيد إفرازات تلك الهرمونات التي تؤدي إلى تغيير مدمر لكيميائية الجسم: هدم في أنسجة الجسم، إفراز الجلوكوز في البول.. وعلى المدى الطويل قد يحدث مرض «السكر»، ويسير الجسم بخطى وئيدة إلى زيادة نسبة «الكوليسترول» في الدم، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث الذبحة الصدرية، وتصلب الشرايين، وأمراض أخرى مدمرة لكيان الإنسان، هذا بجانب الأمراض النفسية العضوية.

وحصيلة كظم الغيظ والعفو عن الناس والخلاص من الحقد تكون هي الطريق للخلاص من قوى التدمير النفسي والعضوي، وهي الطريق المضيء نحو الاستقرار الوجداني والأمن النفسي والسعادة الروحية. وحينما أمرنا الحق (سبحانه وتعالى) بالصوم بمعناه الحقيقي، إنما أراد بمشيئته تعالى أن يُسبغ علينا السعادة الروحية، والاسترخاء العقلي، والأمن النفسي، والإصلاح لمادية الجسم، حيث تنبعث السكينة في قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيماناً على إيمانهم.

د. محمد محمود عبدالقادر

الصيام تدريب والتزام

الصيام عمل إيجابي، وتجربة واقعية، وثقة بالنفس، واستجابة لنداء الله وكتبه ورسله، إنه صراع بين النظام والفوضى، بين العقيدة والإيمان... ويعتبر مصلا واقيا من كل انحطاط خلقي، وضعف نفسي، أمام مغريات الحياة المتنوعة، فعن الإمام الصادق رحمه الله قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصوم جنة» أي ستر من آفات الدنيا، وحجاب من عذاب الآخرة، فإذا صمت فانْوِ بصومك كفَّ النفس عن الشهوات، وقطع الهمة عن خطوات الشيطان، وأنزل نفسك منزلة المرضى لا تشتهي طعاما ولا شرابا، متوقعا في كل لحظة شفاك من مرض الذنوب، وطهّرْ باطنك من كل كدر وغفلة وظلمة تقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله تعالى.

فهو لا يعدو أن يكون طريقة تربوية، ذات منهج سليم، يهدف إلى خلق الإنسان المعتدل جسدا وروحا، يعطي لنفسه حقها، ولا يتركها تتجاوزه إلى غيره من حقوق الأفراد والجماعة.

وأيضا تبرز لنا الحكمة الإلهية من فرض الصوم، متمثلة أساسا في دعم الوجود المادي والأخلاقي للإنسان، كفرد وجماعة، والإسلام كدين جاء من أجل دعم هذا الوجود الإنساني، غير مقتصر على الجانب المعنوي منه، فعن علي رضي الله عنه: «لكل شيء زكاة، وزكاة الأبدان الصيام» وهو مع ذلك كله تربية على الصبر، إذ يعوّد الإنسان التحكم في شهواته المادية ورغباته، ويجعله قادراً على مواجهة الظروف الحياتية الصعبة وخصوصا إذا كانت طارئة، فعن أبي الحسن في قوله تعالى «واستعينوا بالصبر والصلاة» قال: الصبر الصوم، إذا نزلت بالرجل الشدة أو النازلة فليصم.

وهو تربية على الإخاء، ذلك أن شعور المسلم بالمساواة مع غيره من أفراد المجتمع الإسلامي فيما يلاقيه من عنت وتعب، وما يشعر به من جوع وعطش وإرهاق، يجعله يحس بمدى قوة الرابطة الأخوية، فتنعدم الفوارق الاجتماعية والتفاوت الراجع إلى المال أو الجاه.

وهو تربية على الانضباط لأوامر الشرع وأحكامه، فعن الصادق رضي الله عنه: «إياكم والكسل، إن ربكم رحيم يشكر القليل، إن الرجل ليصلّي الركعتين تطوعا يريد بهما وجه الله عز وجل، فيدخله الله بهما الجنة، وإنه ليتصدق تطوعا يريد وجه الله عز وجل، فيدخله الله بها الجنة، وإنّه ليصوم اليوم تطوعا يريد به وجه الله، فيدخله الله به الجنة».