اشتهر أحمد شوقي في شعره بأَنّه أكثر من النّظم الملائم للأطفال من القصص والحكايات، وضرب الأمثال وتشخيص عالم الحيوان، وإيناس النشء بأشعار لطيفة رقيقة مناسبة لأعمارهم فيها اللمحة الأدبية والموعظة الأخلاقية والصورة الفنيّة.

وكان يؤنس أولاده منذ صغرهم بهذه المنظومات اللطيفة، ويجمع أصحابهم ليسمعوا شعره، ويتلقى منهم ملاحظاتهم..وقد تحدّث حسين بن الشاعر أحمد شوقي في كتابه (أبي شوقي) بأخبار متعددة عن رعاية شوقي لأولاده، وعنايته بتربيتهم، وبتحبيب اللغة العربية إليهم، ومن أشعاره التي نظمها تحبّباً إلى بعض أولاده قطعة خَصّ بها ابنته (أمينة) وكلبها الذي كانت تأنس به، قال- ا حَبّذا أمينةٌ وكلبها- حبّه جّداً كما يحبّها-أمينتي تحبو إلى الحولين- كلبها يناهز ا لشهرين-لكنّها بيضاء مثل العاج

و(عبدها) أسود كالدّياجي

يلزمها نهارها وتلزمه

ومثلما يكرمها لا تكرمه!

فعندها من شدّة الإشفاقِ

أَنْ تأخذ الصّغير بالخناق

في كلّ ساعة له صياحُ

وقلما ينعم أو يَرتاحُ

وهذه حادثة لها معه

تنبيك كيف استأثرت بالمَنْفَعه!

ـ فالطفلة بنت العامين تعامل الكلب على أنه شيء تملكه كأنه اللعبة بين يديها، فهو يكرمها بالإيناس والملاعبة، والموافقة إذ يتبعها، ويستجيب لها ولكنها ـ لأنها صغيرة ـ لا تعطيه حقه بعد أن قدّم تلك الخدمات لها!

ـ وقد سرد أحمد شوقي (بعباراته الرّقيقة، وأُسلوبه الحسن الملائم للطفل) حكاية جرت بين أمينة وبين كلبها الأسود الصغير

جاءت به إليّ ذات مرّة

تحملهُ وهي به كالبَرَّه

فقلت: أهلاً بالعروس وابنها

ماذا يكون يا ترى من شأنها؟

قالت غلامي يا أبي جوعانُ

وماله كما لنا لسانُ

أي اكلب لا يتقن الكلام الذي يعرفه البشر، ولابّد من أن نفهم إشاراته ونترجمها كلاماً مفهوماً:

فمرهمُ يأتوا بخبز ولبنْ

ويْحضروا آنية ذات ثمن

فقمت كالعادة بالمطلوب

وجئتها أنظر من قريب

فعجنت في اللبن اللبابا

كما ترانا نطعم الكلابا

فهي إذن كسرت الخبز كسراً ووضعته في ا لحليب ليصلح طعاماً لكلبها الأمين!

وتابع الحكاية:

ثم أرادتْ أن تَذوقَ قبلَهُ

فاستطعمتْ بنت الكرامِ أكْلَهُ

أي وجدت أمينة طعام الكلب (الخبز بالحليب) طيّباً:

هناك ألقت بالصغير للورا

واندفعتْ تبكي بكاءً مُفترى!

تقول بابا أَنا (دحّا) وهو (كخّ)

معناه: بابا ليَ وحدي ما طبخ

فقل لمن يَجْهَلْ خطب الآنيه

قد فُطِرَ الطفلُ على الأنانية!

وفي سياق عناية شوقي بأن يكون أولاده على صلة بالحياة وما فيها حولهم من الناس والنبات والحيوان وسائر الأشياء نظم الشاعر لهم ولغيرهم من الأولاد قصصاً وحكايات كثيرة تشكل جزءاً مهماً من ديوان شوقي. وممّا يتصل بقصيدته عن كلب أمينة الأسود، فإنه نظم قصيدة سريعة الإيقاع عنوانها الرفق بالحيوان، قال فيها:

الحيوانُ خلقُ

له عليكَ حَقُّ

سخره الله لكا

وللعباد قبلكا

حمولة الأقالِ

ومُرضع الأطفالِ

ومُطعم الجماعَهْ

وخادم الزراعه

من حقه أن يرفقا

به وألاّ يرهقا

إن كَلّ دَعْهُ يسترحْ

وداوِه إذا جُرِحْ

ولا يَجُعْ في داركا

أو يَظم في جواركا

بهيمةٌ مسكينُ

يشكو فلا يُبِيْنُ

لسانه «مقطوعُ»

وما له دموعُ!

أي هو بالقياس إلى البشر أعجم، فهو لا يفصح كأن لسانه مقطوع ولهذا يجب أن يعامل الحيوان بالرّفق والمعاملة الجيّدة، وأَن يُعطى ما يحتاج إليه لأنه يخدمنا، ولابد لنا من أن نكافئه على خدماته للإنسان.

وهكذا اختلط الخاصّ من شعر شوقي لابنته بالعام الذي هو تعليم الأولاد وتربيتهم على الرفّق بالحيوان.

أ.د محمد رضوان الداية