أكد الشيخ أبوالعينين شعيشع شيخ القراء المصريين أن القراءة القرآنية فيما مضى كانت خالصة لوجه الله تعالى، ولم يكن القارىء يهتم بالمادة أو الشهرة، ولم تكن الألقاب تهم القراء، فكانت القراءة يغلب عليها الخشوع والصدق، وهذا كله مفتقد في هذه الآونة، حيث باتت مهنة قراءة القرآن وسيلة لكسب المال فقط بعيداً عن الأغراض السامية الأخرى.
وأشار إلى أن الإيمان بالله والخوف منه والعمل بما يرضيه أهم شروط النجاح في مجال قراءة القرآن، بالإضافة إلى حسن الصوت وامتلاك قدرات القراءة الصحيحة لأنه لا يعقل أن يتميز قارئ لا يجيد قواعد القراءة والتلاوة. وشدد على أن البكاء أثناء تلاوة القرآن شيء محمود وحث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله:«إن لم تبكوا فتباكوا»، ومن ثم فخشوع وخضوع القارئ، هو شرط ضروري لكي يكون مخلصاً في عمله. * كيف كانت بدايتك في عالم التلاوة؟
- بدأت شهرتي كقارئ في مختلف محافظات الجمهورية وخارجها عام 1939 حيث اصطحبني أحد أبناء قريتي للتعزية وقراءة القرآن في وفاة أحد المشايخ الذين يمتون لنا بصلة النسب، وهناك سمعني العديد من المشايخ والعلماء الأجلاء، ونصحني أحدهم بالانضمام إلى قارئي الإذاعة وكان صوتي وقتها قريب الشبه إلى حد كبير بصوت القارئ الشيخ الجليل الراحل محمد رفعت. وكنت دائم الاستماع إليه في مسجد فاضل باشا، لأنني كنت من أشد المعجبين بصوته، فكنت أستمع إليه وأحرص على الجلوس بالقرب من مجلسه، وكنت وقتها لست معروفاً سوى لأبناء قريتي ومحافظتي فقط، وأذكر أنني ذات يوم كنت أجلس في المسجد لأستمع إليه كعادتي مرتدياً الطربوش يعني أفندي .
ولا أحد يعرفني إلا واحد كان يعرفني واستمع إلى قراءتي للقرآن، فاقترب من الشيخ الجليل محمد رفعت وهمس في أذنه قائلاً: هناك شيخ صغير يسمى محمد أبو العينين اعتاد تقليد صوتك وطريقتك في قراءة القرآن، وعندما رأيت تواضع الشيخ الجليل في رده حيث قال:
لا أحد يقلد أحداً وإنما هي موهبة من عند الله وأنا سعيد تمام السعادة بذلك عندئذ واتتني الشجاعة الكافية وقمت معرفاً نفسي للشيخ الراحل، وانحنيت لأقبل يده لكنه سارع بتقبيل يدي أنا، فأعطاني يومها وأعطى كل الحاضرين درساً في التواضع الجم، تواضع العلماء والأتقياء فكان درساً عملت به طيلة حياتي.
نصف ساعة
* كل هذا ولم تكن معتمداً في الإذاعة فمتى كان اعتمادك كقارئ؟
- بعد سماعي لشهادة الشيخ رفعت، تقدمت للجنة الاستماع بالإذاعة وكان سني صغيراً وكان هناك اعتراض من اللجنة على ذلك ولكنهم بعد أن استمعوا لصوتي تم تحديد لجنة استماع برئاسة الشيخ مأمون الشناوي وكيل الأزهر في ذاك الوقت.
وإبراهيم مصطفى عميد كلية دار العلوم والشيخ المغربي والشيخ شريف من كبار العلماء في القرآن، كان ذلك عام 1939، واذكر أن اللجنة جلست تستمع لصوتي حوالي نصف ساعة كاملة، بعدها أعلنوا نجاحي في الاختبار وكانت الخطوة الأولى لتحقيق الشهرة ومعرفة العديد من المسلمين لي كقارئ.
وتوالت بعدها الخطوات وتوالت رحلاتي إلى مختلف دول العالم، وكنت أول قارئ يسمع صوته في أنحاء العالم الإسلامي، وذلك من خلال قراءة القرآن بالإذاعة، وأول قارئ يسجل صوته على أسطوانات وأول القراء الذين يقرأون للملايين من المسلمين في بيت الله الحرام، بعد استئذان إمام المسجد ولقد كرمت من العديد من الشخصيات منهم الملك عبد الله شكري القواتلي ملك سوريا الأسبق والذي منحني وسام الاستحقاق الديني.
ومنحني الملك فيصل ملك العراق السابق وسام الرافدين ومنحني الرئيس حسني مبارك وسام الامتياز من الطبقة الأولى، كما تم اختياري رئيس لجنة التحكيم العالمية للقرآن الكريم، بالإضافة لمشاركتي في العديد من مسابقات حفظ القرآن الكريم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
* وماذا عن رحلاتك خارج مصر؟
- سافرت كثيراً وتعرضت لمواقف غريبة فمثلاً في إحدى السنوات كان مقرراً أن أحيي ليالي رمضان في تركيا ويوغسلافيا وأمضيت أسبوعين في تركيا ثم توجهت لمطار اسطنبول يرافقني القنصل المصري العام هناك.
وحجزت تذكرة إلى بلجراد وركبت الطائرة وكنت أرتدي الزي المعتاد الجبة والقفطان وعندما هبطت الطائرة في المطار ظننت أنها هبطت في بلجراد فقالوا إنها فيينا، ثم طارت وهبطت في مطار ميونيخ بألمانيا، وفي هذا المطار تعرضت لموقف صعب وغريب .
حيث اعتقد ضابط الجوازات أنني زعيم منظمة إرهابية، وبرر اعتقاده هذا بمظهري الغريب بالنسبة له وعجزت عن أن أشرح له معنى هذا الزي، لولا وجود ألماني يعرف العربية قليلاً استطاع أن يوضح للضابط الموقف برمته، وينقذني من ضابط الجوازات الشرس، الطريف أن من أنقذني كان يدعى «كوكيزا» .
وكان يعمل مدرباً لبعض فرق كرة القدم المصرية ويعرف الكابتن محمد لطيف، ومحمد حسن حلمي رئيس نادي الزمالك ودعاني الرجل إلى الإفطار، وبالطبع شكرته بعد ذلك على شهامته وخدمته لي. وفي إحدى رحلتي لإيران لإحياء بعض الليالي القرآنية لمدة شهر.
وفي احتفال اليوم الأول قال المذيع وسط الآلاف إن زوجتي قد رحلت عن دنيانا ورغم هذا حضرت إليهم وقرأت لهم، وطلب أحد الحضور صلاة الغائب على زوجتي وغمرتني الرئاسة الإيرانية بعطفها وجاءني مندوب عن مرشد الثورة، وآخر عن الرئيس الإيراني للتعزية، وقد بلغت عدد زياراتي لإيران سبع زيارات وتوطدت علاقتي مع مرشدهم، وكان أول من أرسل يدعوني وكان محباً لسماع تلاوتي للقرآن.
زمن ولى
* هل ترى أن من عباقرة التلاوة قد ذهب؟
- القراءة فيما مضى كانت خالصة لوجه الله تعالى لم يكن القارئ يهتم بالمادة أو الشهرة، ولم تكن تهمنا الألقاب، هذه الأيام تجد ألقاب القارئ الكبير والقارئ الصغير، كل هذا لم يكن في بالنا، كنا نقرأ بخشوع وصدق يندر أن تجده في قراءة هذه الأيام.
وأذكر أن الشيخ محمد رفعت كان يبكي وهو في طريقه إلى قراءة القرآن، وليس كما هو الحال الآن كل ذلك في جانب والإحساس في جانب آخر القارئ زمان كان يحس الآية وينطق بها كما يجب النطق فإحساس آية للعذاب خلاف إحساس آية للرحمة. وأذكر أنه في عام 2491 طلبني القصر الملكي وقابلت أحمد باشا حسنين، ومراد باشا محسن، وطلبا مني إحياء ليالي رمضان في قصر عابدين،.
واخترت معي الشيخ الشعشاعي، ولكن كان تقديرهما لنا غير لائق، فكان الملك يمنحنا الأوسمة فقط، وفي العام التالي قرأنا في قصر رأس التين بالإسكندرية، وكان التقدير أسوأ فقلت لهم:
أنا لو كنت عند جزار كان سيقدرني أكثر فكيف يقول البعض أنني قارئ الملك، فتلك تهمة طاردتني كثيراً ونفيتها أكثر من مرة، وعلاقتي برجال الثورة كانت طيبة، فعندما قامت الثورة دعونا جمال عبد الناصر وصلاح سالم في بلدنا «الزعفران» وعندما أسافر إلى لندن تستضيفني ابنة الزعيم عبد الناصر وزوجها أشرف مروان وكانت علاقتي بالرئيس السادات أكثر من طيبة، إذ أنا لست من أعداء ثورة يوليو.
* ماذا عن مواصفات القارئ الجيد؟
- أهمها الإيمان بالله والخوف من الله، والعمل بما يرضي الله هي شروط النجاح في أي عمل أو قصد، ولابد للقارئ أن يكون ملتزماً بهذه الشروط حتى يصبح قدوة للناس في كل شيء ومن الضروري أن يكون لديه وداعة في اللسان ولا يخرج منه إلا كل طيب ولا يكون غليظ القول والفعل، فالقرآن نعمة من الله ولابد أن يؤثر فيمن يحمله وينطق به.
* هل يجب أن يكون قارئ القرآن على وضوء أثناء التلاوة في المصحف؟
- إن قراءة القرآن عبادة لله ففي الحديث عن القرآن «المتعبد بتلاوته» وعندما يتجه المسلم إلى عبادة الله ينبغي أن يكون على طهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، وهكذا قراءة القرآن إذا كانت بقصد العبادة فينبغي أن يكون القارئ على طهارة.
ولا يمس المصحف إلا إذا كان متوضئأً، أما إذا كان لمس المصحف بقصد الحفظ فيجوز حمله والقراءة فيه للحفظ والتذكر، ولهذا قال الأئمة بجواز حمل الصبي للمصحف دون أن يكون على وضوء ما دام ذلك بقصد الحفظ، أما غير ذلك فينبغي أن يكون المسلم على طهارة من الحدثين عندما يحمل المصحف أو يقرأ فيه.
* وكيف ترى البكاء أثناء تلاوة القرآن؟
- يوجد حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إن لم تبكوا فتباكوا ومعنى الحديث أن القارئ لابد أن يكون في خشوع وخضوع، ويذكرنا بأن التلاوة خمس مراتب هي التحقيق والترتيل والحدد والتجويد والزمزمة أما التجويد فهو إجادة القراءة بصوت منغم ومعايشة في المعنى وتصوير الآية تبعاً للإحساس بمعناها.
والتحقيق هو قراءة هادئة تراعي أحكام التلاوة الصحيحة وهو يأتي في مقام التعليم لأنه يعطي السامع الفرصة أن يسمع مخارج الحروف، أما الترتيل فهو أسرع من التحقيق مع مراعاة أحكام التلاوة الصحيحة، والحدد أسرع من الترتيل، أما الزمزمة فهي أسرع الطرق، وتعتبر تسميع الإنسان لنفسه.


