يتميز جامع بلال بن رباح في منطقة الرماقية بالشارقة بأنه ينتمي إلى تلك المجموعة التي أشرنا إليها من مساجد الإمارات التي رأت النور قبيل أو بعيد الألفية الثالثة مباشرة، وكأنها كانت جميعها على موعد مع الآفاق لتملأها ــ شأن القلوب ــ بالنور الغامر.

هذا الجامع الذي بني على نفقة عبدالعزيز بن علي العويس، وتم افتتاحه في غرة رمضان 1423 الموافق 15 نوفمبر 2002، يتميز أيضاً بأنه ينتمي إلى تلك المساجد التي تعكس نبل المحاولة المعمارية.وما أقصده بنبل المحاولة، أو شرف المحاولة، هنا ينبغي أن يكون واضحاً أن المراد به هو الاصطلاح في أبعاده المعمارية الصرفة، فليس يخفى أن العديد من المساجد في منطقة الخليج اعتمد رعاتها أو القائمون عليها ما يمكن وصفه بالحل السهل، وهو التوصل إلى تصميم من «ريبرتوار» مكاتب التصميم، أي التصميمات الجاهزة التي يمكن تنفيذها في أي مكان، والتي تجمع في عناصرها بين مواصفات عامة استلهمت من نماذج إسلامية مختلفة بحيث أنها يصعب رفضها في نهاية المطاف.

هذا الجامع لا ينتمي إلى هذه النوعية، التي على الرغم من أنها تؤدي المطلوب منها وظيفياً، إلا أنها ــ في النهاية ــ تنتج لنا مبنى آخر، وليس عملاً معمارياً.نبل المحاولة في هذا الجامع ينبع من أن التصميم يقدم رؤية معمارية، قد تتحمس لها، أو قد لا تثير حماسك، لكنها في النهاية تملك منطقها، لغتها، مفرداتها، قدرتها على الأخذ والعطاء مع النسيج الحضري الذي تنتمي إليه.

هذا الجامع ينتمي إلى مساجد الأحياء ذات الحضور القوي والمؤثر، وكتلته المستطيلة لا بد من أن تلفت نظرك من بعيد بقوتها، وتقشفها، وإحالتها القوية إلى عمارة الداخل العربي وتوظيفها البارع لتضافر نسيج الأعمدة والعقود.يلفت نظرنا نهوض المئذنتين من الأرض، وعلى وجه الحصر من أرض، جناحي مدخل المسجد، الذي تميزه أربعة عقود حدوية واضحة المعالم.كل مئذنة تنهض من موضعها غير المألوف ذاك برجا مربعا شديد التماسك يستدق قوامه كلما أوغل في الارتفاع إلى أن يصل عبر خمس شرفات إلى قمة متدقة سنرى إلى أي حد بارع تتردد أصداؤها في قمة قبة المسجد الصغيرة غير أننا نظلم هذا التصميم إذا اعتقدنا أن تقشقه بجرده من الجماليات البديعة التي يستلهمها من الطابع النحتي لكلتة البناء، حيث نلاحظ في أكثر من موضع هذا اللقاء البديع بين الأعمدة الرشيقة والعقود المستقيمة.في قاعة الصلاة الرئيسية، سنلاحظ مجدداً ما ارتبط مع الايماء إلى عمارة الداخل العربي من تقشف في المشروع الزخرفي، لكن ذلك لن يمنعنا من أن نلمح الوزرة التي تحيط بالجدران، وان كانت أقل ارتفاعاً مما نتوقع. وسنلتفت بقوة إلى التصميم البارع للنوافذ التي ينهل منها النور عبر الزجاج المزخرف في بساطة نبيلة.

سنلمح أيضاً ذلك التكامل الذي نتوقعه بين الإضاءة المنهلة من الفتحات والكوى في رقبة القبة وبين الثريا التي تستقر في باطنها.في حائط القبلة سنجد ما يفرضه هذا التصميم فرضاً، فالمحراب الذي يجسد البساطة ويحتل المنبر جانباً منه، غير أن حشوة خطية زرقاء ستمتد في رشاقة أعلى المنبر لتؤكد لنا قدرة هذا التصميم على أن يفاجئنا بجمالياته الفريدة.

كامل يوسف- تصوير: محمد شاهين