منذ عشرات السنين رست الكثير من سفن البحارة على سواحل مشيخات الساحل المهادن كما كان يطلق على دولة الإمارات من قبل، وزارها العديد من الرحالة الأجانب على اختلاف مشاربهم ومقاصدهم وأهدافهم التي قدموا من أجلها إلى هذه البلاد، ودونوا مذكراتهم، وتركوا انطباعاتهم ورحلوا، ومنهم من جاب السواحل، ومنهم من توغل في أعماق الصحراء، السطور التالية تحمل بعضاً من آثار تلك الرحلات.
وقع بين يدي مؤلف عبارة على ما يبدو عن تقرير كتبه رحالة انجليزي مسلم ، ورغم ان الدار التي ترجمت ونشرت التقرير متخصصة من خلال قائمة مطبوعاتها التي تنشر كل ما له صلة بالجزيرة العربية والخليج والبدو والبداوة ، ومن ضمنها اهتمامها بنشر كتابات الرحالة الغربيين الذين جابوا الجزيرة والخليج وكتبوا تقارير ومشاهدات وانطباعات بعد ترجمتها. استبشرت خيرا حين وقع بين يدي هـذا الكتيب الذي لا يتجاوز عدد صفحاته بصور غير واضحة بالأسود والأبيض 74 صفحة من الـقطع الوسط وهو كما ذكرت مجرد تقرير مبتور عن رحـلة قام بها الرحالة الحاج عبد الله وليمسن مترئسا بعثه شركة النفط الانجليزية الفارسية إلى البحرين وقطر ومسقط وعمان وأبوظبي والشارقة ورأس الخيمة وعدن ( التي لم أجد شيئا عنها في هذا التقرير ) عام 1925-1937م.يذكر المترجم ( والتقرير المنشور باللغة العربية يعكس في الحقيقة بؤس الترجمة التي قام بها هذا المترجم ) في تقديمه يقول: لي ولع كبير بتتبع ما يكتبه الرحالون والرواد وقد اقتنيت أكثر من مئة كتاب في الرحلات وقد سبق ان نشرت رحلتي مدام ديو الافوا والسيرافي كما نشرت رحلة ماركو بولو بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين.وفي الآونة الأخيرة قرأت كتابا باسم عبد الله فلبي ومغامراته – ولم يذكر حتى عنوانه- وما ان استوعبت الكتاب الا وتذكرت ان هناك عددا كثيرا من الانجليز الذين لعبوا أدوارا مهمة في مصائر البلاد العربية ومن هؤلاء أصبحوا أعلاما ونشرت مؤلفاتهم بعدة لغات ويتساءل المترجم :
ولكن لم أجد اسم أحد المغامرين الانجليز الذي لعب أدوارا مهمة في مصائر بلدان الخليج وكنت أعرف هذا الشخص معرفة تامة.حيث كنت قد حادثته عدة مرات وعلمت انه من الأشخاص الذين يعملون دون ضجة ولا يريدون الظهور والشهرة. عرفته مسلما متدينا لا يترك فريضة من الفرائض ولا واجب من واجبات الصلاة. عرفته يحفظ الكثير من الأدعية والأوراد كما كان يحفظ اكثر من ثلثي القرآن الكريم. وكنا في كل حفلات الموالد والذكر – الجملة هنا مبتورة – كما عرفنا أن الحاج عبد الله كان انجليزيا غريقا ومن كبار المستشرقين وأنه يعمل في شركة دارسي للنفط وله اليد الطولى في الحصول على امتيازات النفط في الخليج وإيران والعراق وأكثر الامارات العربية.
تذكرت كل هذا وصممت على البحث عن مغامراته والتنقيب عن مؤلفاته وذلك بعد وفاته منذ أمد قصير – دون أن يزود القارئ بأي معلومات عن تاريخ معرفته به أو تاريخ وفاة هذا الرحالة ودون ان يقدم أي إضاءة مفيدة في هذا الصدد – وفي سفرتي الأخيرة إلى البصرة واجهت – هكذا وتعني باللهجة العراقية الدارجة قابلت – ولده الأوسط محمد وطلبت منه ان يزودني إذا أمكن بما يوجد لديه من مخلفات والده. قام محمد مشكوراً بالواجب ودعاني إلى داره الموروثة من والده في ( كوت الحجاج ) وهناك شاهدت غرفة والده الخاصة ومكتبته وسيفه وبعض الهدايا.
لقد كان عبد الله مسلمان ( هكذا ولا أدري هل هو خطأ طباعي فهو اسمه عبدالله وليمسن ) العامل الرئيسي في حصول شركة ( الدارسي ) على امتيازات النفط في جميع أنحاء البلاد العربية وكان دائما يعمل لصالح الشيوخ كما يقول ولهذا لم يشترط لنفسه شيئا كما اشترط كولبنكيان بأخذه راتبا تقاعديا قدره خمسة وعشرون دينارا في السنة ( الكتاب منشور سنة 2005م.
ولا ندري متى زاد المترجم ابناء المراحل لأنه لم يذكر تاريخا لهذه الزيارة ) وأنه لم يترك أية ثروة بل ترك ديونا كثيرة. وقد خلف عبدالله مسلمان ( هكذا !) أربعة من الأبناء ثلاثة ذكور وهم عبدالمطلب الذي كان يعيش في الكويت ومحمد وأحمد وأخت تزوجت وقد ماتت.
وكانت والدته شمرتة تزوجها عبد الله في المنتفك ( لواء المنتفك غرب العراق ما يمكن تحديده بمحافظة الرمادي وما جاورها) عندما كان في معية الشيخ ( ناصر السعدون) وآل السعدون هم شيوخ المنتفك وتلفظ ايضا المنتفج ) ثم ناولني الاضباره ( الملف ) والصور التي يجدها القراء تتحدث عن رحلاته ومراسلاته مع شيوخ الخليج العربي بين دفتي هذا الكتاب. المقدمة ( ص :7.6).
بعد مقدمة المترجم، تأتي كلمة الناشر وهي أيضا لا تضيء كثيرا هذه الشخصية، بل تعرف فقط بأن اسمه الذي حمله بعد إسلامه هو ( الحاج عبد الله فاضل الزبير أو المسلمان ) انجليزي الأصل يدعي وليام ريتشارد وليمسن، ولد في مدينة بريستول بانجلترة سنة 1872م..
ثم يعيد الناشر نفس المعلومات التي ذكرها المترجم في مقدمته، ويضيف اليها أنه كان مسلما متدينا لا يترك فريضة من الفرائض ولا واجبا من الواجبات الدينية كما كان يحفظ اكثر من ثلثي القرآن الكريم، ان الحاج عبد الله كان انجليزيا عريقا من كبار المستشرقين وكانت له اليد الطولى في الحصول على امتيازات النفط في الخليج العربي وايران والعراق.
طاف هذا الرحالة العالم وهو صغير على ظهر بعض البوارج، شارك القراصنة حياتهم ومغامراتهم ثم هبط في الشرق الأوسط فاعتنق الإسلام وخالط البدو واستقر في الناصرية (محافظة في جنوب العراق) لدى آل السعدون وتزوج امرأة منهم ( آل السعدون هم شيوخ المنتفج ) وغدا وكأنه واحد منهم. وبعد مغامرات عديدة قام بها خلال الحرب العالمية الأولى وما بعدها، استقر في منطقة (كوت الحجاج) بالبصرة مع زوجته وأولاده حتى وافاه أجله فيها ( ص: 15 –المقدمة).
ويعرف الناشر بالكتيب الذي يعتبر وصفا لجولة قام بها الحاج عبد الله في الخليج العربي لحساب شركة النفط الانكليزية الفارسية الدارسي، حيث كان قد عين سنة 1924م من قبل السير آرنولد ولسون الذي ترك الخدمة في العراق سنة 1920م والتحق بشركة النفط الانكلوايرانية في عبادان مفتشا لجميع وكالات الشركة في الخليج العربي، وقد ظل في هذا المنصب حتى سنة 1937م، حيث أحيل الى التقاعد لبلوغه الخامسة والستين من العمر حينذاك.
وقد بدأ وليمسن هذه الجولة مع اربعة أعضاء آخرين من الانجليز إثنان منهم من الجيولوجيين هما جي.إم.ليز، وواشنطن غراي، وعالم النبات فرنانديز، والرئيس إكلس أحد ضباط الشرطة الانجليز في عدن ،و في سنة 1925م استقلوا إحدى بواخر شركة النفط الانكلو إيرانية إلى البحرين ومنها إلى جزر الخليج العربي فالكويت ومنها إلى قطر وعمان وأبوظبي ورأس الخيمة والشارقة ( امارات الساحل المهادن ).
الوريقات القليلة المترجمة في هذا الكتاب تمثل وقائع ما دونه الحاج عبدالله وليمسن ومشاهداته في تلك الجولة، وتحوي معلومات رغم أهميتها إلا أنها لا تشفي غليل الباحث عن الحقيقة ،ومنها اعلان وليمسن اسلامه في وقت مبكر واستقراره في بلد عربي، وعدم اتصاله أو بالأحرى عمله مع أحد الحكام أو ملوك المنطقة ( العراق .
حيث أقام، أو السعودية، أو الأردن أو عمان وقد جاب هذه المناطق )، ولا تزال تلك المناورات التي قام بها وملابساتها والتي استطاع من خلالها ان ينتزع – حسب وصف الناشر – من شيوخ الكويت ومسقط وعمان وأبوظبي والشارقة تواقيعهم على اتفاقيات البحث عن البترول في بلادهم وخص الشركات الانجليزية وحدها بهذه الامتيازات.
لاتزال تحتاج إلى المزيد من البحث والتوثيق وربما لو هيئ لمؤسسة أو جهة بحثية مهتمة ان تترجم كتاب الرحالة ستانتون هوب الذي وضعه عن الحاج عبد الله وليمسن بعنوان مغامر عربي The Arabian Adventurer لعلنا نجد فيه ما يشفي الغليل عن هذا الرحالة المسلم المستعرب، فالحاج وليمسن لم يترك – حسب مقدمة الناشر – مذكرات باللغة الانجليزية، وإن أرجع السبب إلى احتمالين، لا نراهما منطقيين.
وهما عدم تضلع الحاج وليمسن باللغة الانجليزية وليست لديه موهبة الكتابة فانصرف بالتالي لهذا السبب عن تدوين مذكراته، وإما أن يكون قد دون هذه المذكرات فعلا وأفاض فيها في شرح كل ما قام به من أعمال حتى التافة منها ولكن هذه المذكرات فقدت منه أو أنها ما تزال بعيدة عن متناول اليد.
ونحن نرجح وجود معلومات ومذكرات لهذا الرحالة بلاشك، خاصة وانه كان يعمل في مجال البترول وهو من أخطر وأهم المجالات التي كانت تهم السلطات البريطانية الكولونيالية في ذلك الوقت، بل وفي أخطر مرحلة من مراحله حيث عاصر بدايات الاكتشافات البترولية في منطقة الخليج، أما فقدان مذكراته فشيء لم يعد من المستحيل البحث عنها عن طريق أرشيفات شركات البترول والجامعات الغربية التي اهتمت برحلات الرحالة، في ظل وجود وسائل البحث الحديثة عن طريق الانترنت على الأقل.
عمار السنجري


