وقبل أن أقدم لكم ما وعدتكم به من رؤية للسماحة الإسلامية ممثلة في مواقف للصحابي الجليل ثابت بن قيس خطيب الإسلام المفوه، دعوني أعيش معكم في سورة من الكتاب العزيز أطلق عليها علماؤنا اسم سورة الأخلاق لما ورد في آياتها الثماني عشرة من توجيهات أخلاقية سامية، وتلكم السورة هي سورة «الحجرات» ولو أن القرآن بكل سوره في تناوله للتوجيهات الأخلاقية يعتبر دستوراً للأخلاق العظيمة، ولا عجب في أن تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سألوها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم «كان خلقه القرآن» أجل فإن نبينا العظيم كان يتمثل القرآن في كل جوانب حياته.
يقول الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس صاحب كتاب «في ظلال سورة الأخلاق .. سورة الحجرات» الذي سنعيش معه في هذا الكتاب القيم خلال هذه الحلقة من حلقات «نفحات إسلامية» يقول: «إن القرآن الكريم.. بجميع سوره وآياته هو مادة خلق الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مادة الأخلاق الإسلامية، التي أنشأ بها رسول الرحمة ومعلم الناس الأول جيلاً قرآنياً.
وكون خير أمة أخرجت للناس كما شهد الله بذلك، وأقام دولة شورية عادلة تساوي بين جميع الناس على اختلاف أصقاعهم وأجناسهم وألوانهم».
وإذا كنا نعيش مع سورة الحجرات فلأنها كما تشير آياتها ـ كما ذكرنا ـ إلى أنها من أهم سور القرآن التي تضمنت قواعد أخلاقية ومبادئ سلوكية ما جعل علماؤنا المفسرون ـ كما اشرنا ـ يسمونها سورة الأخلاق.
وهنا ملاحظة يجدر أن نأخذ بها قبل أن نمضي عميقا مع مضمون هذه السورة الكريمة، ذلك ما يلفت أنظارنا إليه الدكتور أبو فارس وهو أن هذه السورة على قصرها (18 آية) نسبياً، تكرر الخطاب فيها بصيغة النداء «يا أيها الذين آمنوا خمس مرات في خمس آيات بمعنى أن ذلك يأخذ مساحة ثلث السورة تقريبا وهي مساحة ليست بالقليلة، يقول الدكتور أبو فارس »وهذا له دلالته وهدفه.
وهو استجاشة حرارة الإيمان وكوامنه في نفوس المؤمنين وتذكيرهم بأن إيمانهم يقتضي الانصياع لأوامره سبحانه وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وحب المؤمنين والإصلاح بينهم وعدم ارتكاب أي عمل يعكر صفو الأخوة بينهم ويقتضي منهم هذا الإيمان أن يتخلقوا بالأخلاق التي دعا إليها الإسلام وفي مقدمة هذه الأخلاق والآداب ما تعرضت إليه آيات السورة وخاصة المبدوءة بنداء «يا أيها الذين آمنوا».
وثمة خمس آيات تكرر فيها الفاصلة التي تركز على علم الله الشامل الكامل بالعبارات: «سميع عليم» الآية الأولى من السورة، «عليم حكيم» الآية 08 «عليم خبير» الآية 13. «بكل شيء عليم» الآية 16 «إن الله يعلم غيب السموات والأرض» الآية 18.
ويمضي بنا الدكتور أبو فارس في أجواء سورة الحجرات فيلفتنا إلى أن الآيات الخمس المنتهية فواصلها بعلم الله الشامل الكامل، كل عباراتها أو مضامينها تتناسب مع الحديث عن موضوعها التي تعرضت له وعرضته الآية، ما يشعر المسلم بضرورة تقوى الله وخشيته سبحانه في كل حال، لأنه ـ سبحانه ـ العليم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويلفت نظرنا إلى ثلاث آيات من السورة الكريمة تحض على تقوى الله وهي الآيات:
الأولى والآية 10 والآية 12 فماذا يعني ذلك؟ من المؤكد أن التقوى هي الالتزام التام من المؤمن الذي وقر الإيمان في قلبه أن يكون عمله عملاً صالحاً، لأن الإيمان ـ كما حدث الصادق المصدوق ـ هو «ما وقر في القلب وصدقه العمل» وإذا أخطأ التقي فسرعان ما يبادر إلى التوبة والإقلاع عن المخالفات التي يقع فيها والبعد عن المعصية والندم على ما بدر منه والعزم على أن لا يعود إلى الزلل، وهذا هو خلق المسلم الذي ترشد إليه هذه السورة التي توصف بأنها سورة الأخلاق.
وإذا عدنا إلى أجواء هذه السورة الكريمة ونظرنا في كثير مما حذرت منه، وأسقطناه على واقعنا المعاصر، نجد أن مجتمعاتنا الإسلامية ـ للأسف تفشت فيها هذه الأمراض المؤدية إلى سوء الأخلاق، والأمر ليس تحذيراً فحسب ولكنه تحريم وإنذار بسوء العاقبة في الدنيا الآخرة لمن يتورط في هذه الأدواء فهل نرتدع ونتعظ؟ ونعود إلى المعايشة العامة لهذه السورة الكريمة التي قال عنها الدكتور محمد عبدالقادر أبو فارس إنها جديرة بالدراسة والبحث والتفسير ليقف المسلم على أحكامها وحكمها (بكسر الحاء وفتح الكاف) وعظاتها وعبرها ودروسها.
تحدثت السورة بداية عن علاقة المؤمن بالله وبرسوله وذلك بعدم التقدم بأي حكم على حكم الله وأي قانون يخالف شرع الله، ثم عن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحدثت السورة (الآية 6) عن تحديد موقف المؤمنين من خبر الفاسق بعدم التسرع في تصديقه إلا بعد التحري الدقيق في مدى مصداقيته حتى لا نصيب بقرار خاطئ قوماً يظلمون منا. ونقف هنا لنتأمل حالنا، ألا ندع الفرص متاحة لأخبار الفاسقين يسعون بها وترخى الآذان لها فتصدقها فتصيب من تصيب بجهالة.
إن هذا يحدث كثيراً بيننا فكم ظلموا بيننا بما يجيء به الفاسقون من أخبار لا ندقق في صحتها وإنما نتخذ قرارات الفورية بناء عليها وتتحدث السورة عما يمكن أن يحدث بين طوائف من بيننا تجر إلى اقتتال فواجبنا كتصرف إسلامي أمثل أن نصلح بين المتخاصمين وفي حالة أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى فواجبنا أن نقاتل هذه الباغية حتى تفيء إلى أمر الله.
فإذا أفاءت يأتي دور الصلح بينهما وهذا الصلح لابد منه ولكنه في واقعنا لا وجود له، بل ربما أعان بعضنا الغريب إذا اعتدى على طائفة من طوائفنا بكل الوسائل وتتحدث السورة عن السخرية التي تكون من قوم على قوم أو ربما تكون هذه السخرية من فرد إلى آخر أو من نساء على نساء، وتتحدث عن التنابز واللمز وتحذرنا من الظن لأن الظن قد يكون طن سوء وتحذرنا من التجسس ومن الغيبة وكل ذلك من الأمراض التي شاعت بيننا في هذا الزمان.
وتدعونا السورة الكريمة إلى إيجابيات خلقية لأن تكون بيننا كدعوة التعارف وأن يكون هذا التعارف على التقوى والأتقى هو الأكرم عند الله. والحقيقة لم تعد مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة تعيش وفق هذا المنهج القرآني في التربية وتقويم الأخلاق، ومن أجل ذلك صرنا إلى ما نحن عليه اليوم من مذلة وهوان وهذه دعوة ـ أيها الأحباب للعودة إلى سورة الحجرات لقراءتها قراءة تدبر وفهم وهي رقم (49) بالمصحف.
