كلما شاهد هذه الأعداد الهائلة من السيارات التي تجري في الشوارع اليوم وتكاد تسد وجه الشمس تملّكه العجب، وشعر بالفارق الكبير بين تلك الأيام التي كان المرء يستطيع أن يحصي فيها عدد السيارات التي كانت تسير في شوارع المدينة وهذه الأيام التي لا يرى فيها وجه الإسفلت على مد النظر لكثرة عدد السيارات التي تجري عليه.
هو يدرك جيدا أن زيادة عدد السيارات في مدينته ليست شرا كلها، وأنها في جانب منها مؤشر على نمو هذه المدينة وازدهارها وإقبال الناس من شتى أصقاع المعمورة عليها، بعد أن حجزت لنفسها مكانا على خريطة المدن الاقتصادية المزدهرة، في عالم أصبح الاقتصاد فيه عصب الحياة ومقياس مقدرة الشعوب على صناعة النجاح الذي يضعها في مرتبة متقدمة بين الأمم والشعوب المتطلعة إلى المستقبل.
لكنه يعود فيستذكر تلك الأيام التي كان الانتقال فيها من أقصى نقطة في المدينة إلى أدناها لا يستغرق من الوقت سوى دقائق ربما قضى المرء اليوم أضعاف أضعافها في قطع كيلومتر واحد أو أقل، متلفاً عددا لا يعلمه إلا الله من الأعصاب التي تئن تحت وطأة ضغوط الحياة المختلفة.
ليأتي هذا الزحام ويقضي على البقية الباقية منها رافعا مؤشرات خطوط ضغط الدم لدى هؤلاء البشر الذين يقضون أغلب ساعات يومهم محشورين وسط علب الصفيح التي تجري على شوارع الإسفلت في معركة مستمرة مع عقارب الساعة التي تحصي عليهم أنفاسهم وتحصد غرس أوقاتهم.
هو يعرف جيدا أن إعادة عقارب الساعة إلى الوراء ضرب من المستحيل لا يقدر عليه هو ولا غيره من البشر، لذلك تغدو العودة عبر الذاكرة هي الخيار الأفضل والطريقة الأمثل لاستحضار زمن كان امتلاك سيارة فيه رفاهية لا يتطلع إليها سوى أولئك الذين لديهم فائض من المال يزيد عن حاجتهم.
أو كانت السيارة نفسها فيه رفاهية زائدة عن حاجة الإنسان الذي كانت تنقلاته محدودة جدا ومحصورة في نقاط معينة من المدينة يمكن الوصول إليها سيرا على الأقدام التي لم يتسلل إليها الوهن والكسل اللذان جرّتهما معها المدنية الحديثة.
كانت سيارتا «لاند روفر» كافيتين خلال موسم الصيف لنقل الرجال من منطقة «المقيظ» في «البراحة» إلى المدينة في الصباح الباكر وإعادتهم عند الظهيرة إلى بيوتهم، ثم العودة بعد صلاة العصر لنقل من يشاء منهم إلى السوق وإعادته في المساء. أما النساء فقد كن لا يغادرن «البراحة» إلا بعد انتهاء «المقيظ» في نهاية الصيف حيث تشد الرحال إلى المدينة من جديد.
كان «خميس» و«غضبان» هما بطلا تلك المرحلة من الزمن. وكانت سيارتا الـ «لاند روفر» اللتان يعملان عليها وتجوبان رمال «البراحة» منذ الصباح الباكر وتودعانها بعد حلول الظلام هما وسيلتا المواصلات الوحيدتان في تلك المرحلة، حيث كانت الطرق كلها سالكة رغم أن أغلبها لم يكن معبدا كما هو الحال الآن. فإلى أي مدى استطاعت تلك الوسائل أن تسد حاجة الناس في زمن كانت حاجتهم فيه إليها بحجم البساطة التي كانت الحياة عليها وقتها؟
هذا هو السؤال الذي تطرحه الذاكرة وهي تستعيد تلك المشاهد المخزونة فيها، مقارِنةً بينها وبين مشاهد الحاضر التي تعجز عن استيعابها بعد أن عجزت عقول أولئك الذين عاشوا تلك المرحلة عن تصورها أو مجرد الاقتراب من صورتها الافتراضية، فهل يكمن العيب في الذاكرة أم في الواقع الذي يستعصي على الحل بالقدر نفسه الذي يستعصي به على فهم الذاكرة ومقدرتها على التأقلم معه لأنه لا يتلاءم مع الطبيعة التي فطرت عليها؟
