عندما يتذكر الإنسان ما مر به، وما حققه من إنجازات فهذا شيء طبيعي عند الناس جميعاً، بل نجد من لا يجد كثيراً من الأشياء يتذكرها، ولكن عندما يكون الذي نعيش معه ذكرياته الرمضانية عالم كبير، يستخدم هذا العلم لخدمة الإسلام أولاً، ثم خدمة البشرية ثانية فالأمر يكون مختلفا، فحديث الذكريات مع د. زغلول النجار له جلال خاص وإفادة عظيمة ومعه تفتح مذكرته الرمضانية.
فيقول: لقد نشأت في محيط أسرة مسلمة، وككل المسلمين يحتفلون بقدوم شهر رمضان وهذه الاحتفالات هدفها بالطبع هو الترحيب بهذا الشهر الكريم، وأذكر وأنا مازلت طفلاً صغيراً أنه عندما كان يعلن أن رمضان غداً فكنا نخرج جميعاً كأطفال تهلل وتلعب ابتهاجاً بقدوم شهر الخير والبركة، ونظل نلعب ونلهو حتى يأتي المسحراتي، ونجوب معه الشوارع حاملين فوانيس رمضان نشاركه إيقاظ الناس لتناول السحور.ويضيف د. النجار وبعد دخولي المدرسة وكنت من المتفوقين والحمد لله، أذكر أنني في أحد شهور رمضان كانت امتحانات آخر العام، وكنت دائم المواظبة علي صلاة القيام في رمضان ولكن في هذا العام نتيجة لضغط المذاكرة، قررت عدم الانتظام في صلاة القيام، لأستفيد بوقتها في تحصيل العلم.
ولكن بعد فترة وجدت أن تحصيلي ضعيف جداً، وأني مشتت الذهن، وأشعر بضيق في الصدر، فعدت إلى المواظبة على صلاة التراويح في المسجد، وعند ذلك وجدتني أنجز في ساعات ما لم أكن استطيع إنجازه في أيام، فأيقنت أن الله يوفق من يشاء.
وأن الوقت بيد الله، فيبارك لمن يشاء فيه وينزع البركة منه ممن يشاء، ومن هنا تعلمت هذا الدرس المهم، وهي قضية مباركة الله في الوقت فمن الناس من يشعر أن العمر يمر والوقت ليس فيه بركة ومنهم من يبارك الله له في وقته، ويستطيع إنجاز الكثير فيه. تصفيد الشياطين .
ويذكر د. زغلول أن هناك أمراً كان دائماً يشغلني في رمضان وهو معنى تصفيد الشياطين في رمضان، وكنت وأنا صغير أتخيل أن الشياطين يتم تقييدهم بالحبال أو السلاسل، ولكن كلما كبرت وازدادت قراءاتي بدأت أبحث في هذا الأمر، حيث دلت الأحاديث الشريفة بأن من خصائص شهر رمضان المبارك أن الشياطين يصفدون فيه وفي عبارة أخرى يغلون، والتصفيد هو الربط الذي يقيد الحركة ويغلها، كما أن الغل هو المنع الذي يعوق الحركة، فكلا المعنيين مفيد لنفس المعني الذي يفيده الآخر.
وإعاقة الحـــــركة ومنعها يكون إما بالربط وهذا غير جائز عند قدرة الله تعالى، وإنما يكون المعنى الصحيح للغل والتصفيد هو شغل الشياطين بهموم كشغلهم وتشل حركتهم وتربكهم عن القيام بدورهم في إغواء المسلمين، فلا يؤثرون عليهم، ولا يقعدون لهم كل مرصد، ولا يكونون قادرين على إعمال الوعد اللعين الذي تحدى رئيسهم الملعون إبليس به ربه من قبل حين قال: (قال فيما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم).
ذلك ما يمكن تصوره من معنى تصفيد الشياطين في رمضان، ولعل ما يؤكد ذلك ما نراه من إقبال المؤمنين جميعاً على طاعة ربهم في رمضان أكثر من أي شهر آخر حيث تمتلئ المساجد بروادها الراكعين الساجدين الذاكرين المهللين المكبرين، وتكثر أعمال الخير حتى تعلن عن نفسها في كل مكان، ويكسو النفوس صفاء وسمو ينطق في وجوه الناس ويظهر في أقوالهم وأفعالهم.

