حذر المفكر الإسلامي د. عبد الصبور شاهين أستاذ علم اللغة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة من مغبة الإنسياق وراء دعاوى أنصار الفكر العلماني التي تدّعي أن الدين الإسلامي لا يستطيع أن يوفر الضمانات الكافية للأقليات في البلدان الإسلامية، مشيرا إلى أن هذا المذهب الفكري يقوم على إنكار دور الأديان، ويتبنى الإلحاد في كل توجهاته.

وشدد شاهين على أن فريضة الوحدة الإسلامية غائبة ، وذلك يبدو جليا في التحركات التي يشهدها العالم الإسلامي.ولفت إلى أن كثيرا ممن لا يحسنون عرض الإسلام يسيئون إلى الإسلام، كما أن كثيرا من السلوكيات الشاذة التي تقع من جانب بعض المسلمين، يراها غير المسلم بأنها هي الإسلام، وبالتالي فإن الربط بين سلوكيات بعض المسلمين والإسلام فيه ظلم كبير للإسلام،. وبالتالي يجب أن نبين للعالم تسامح الإسلام، خاصة وأن التسامح قيمة إسلامية رفيعة دعا إليها القرآن الكريم في السنة النبوية المطهرة، وأن رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم كان مثالاً عملياً وتطبيقياً لهذا الخلق النبيل، حيث جاءت حياته مليئة بالمواقف المشهودة التي وقف التاريخ أمامها مكبراً ومسجلاً لها بحروف من نور.

وقد كان للتسامح أثره البالغ في الحضارة الإسلامية حين تعامل المسلمون به كواجب ديني تحكمه الشريعة الإسلامية؛ ففتحت كثيرا من البلاد بمساعدة أهلها أنفسهم ودخل كثيرون في دين الله أفواجا جراء التسامح والمعاملة الحسنة التي رأوها من المسلمين. هكذا ، أصبح لزاما على المسلمين أن يعيدوا ترتيب أوراقهم في هذا الوقت بالذات، فليس غريبا أن ينشغل المسلمون في شتى بقاع الأرض بالحديث عن التسامح الإسلامي وعلاقته بالآخر خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.ولا شك في أن استفادتنا من دروس الحاضر تنمي وعينا بعلاقتنا مع الآخر، وفي الوقت ذاته مواكبة وعينا بمسؤوليتنا التي ترتكز عليها كرامتنا الإنسانية، الأمر الذي يمكننا من السلوك القويم المتسامح حيال الذين يشاركوننا في الإنسانية.

والذين ينبغي أن يربطنا بهم رباط التضامن الإنساني المشترك والتسامح، يقوم على الاعتراف بحرية كل إنسان وكرامته، ونحن مطالبون أخلاقياً ودينياً أن نكون متسامحين مع كل البشر بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والثقافية والدينية والآيديولوجية.

خلاف فقهي

* في إطار الحديث عن التسامح، هل حقا هناك مانع في الشريعة الإسلامية من الخلاف الفقهي في بعض المسائل؟

- في أحيان كثيرة، يكون الخلاف فى الرأي أمرا محمودا يدل على صلاحية الشريعة الاسلامية لكل زمان ومكان، لان الاسلام رسالة تستوعب دنيا الانسان، وتلبي كل حاجاته وتنفتح على كل ما يمس واقعه من بعيد أو قريب.

ومشيئة الله تعالى اقتضت أن يخلق الناس مختلفين في تفكيرهم وإدراكهم للأشياء، وفي أذواقهم وفي ألوانهم وألسنتهم، وبالتالي في فهمهم، وهذا الاختلاف وهذا التنوع يعطيان للحياة مظهر التجدد، إلا أن هذا الخلاف يكون مدمرا حين يكون لأسباب ذاتية، لأن هذا النوع من الاختلاف هو الذي يعاني منه المسلمون ويدفعون اثمانا باهظة بسببه، لانه يؤدي إلى الفرقة والنزاع في امة شرع الله لها التوحّد ونبذ الفرقة .

* تلاميذك في كل أنحاء العالم يعتبرونك مشروعا إصلاحيا عربيا إسلاميا يتجاوز مصر؟

- لو كنا في جو معافى يسمح لنا بقول كل شيء علنًا وصراحة لما آلت أمورنا إلى ما آلت إليه الآن من ضعف وخور وهوان، نحن لابد أن تجمعنا دائرة فكرية واحدة ما دمنا نسلك منهجًا واحدًا ، لكن تبقى المشكلة أن أي تحرك خارج الدائرة المرسومة يضع المرء أمام المساءلة ومصادرة فكره وحياته وحريته، وتلك مصيبة كبرى، والمطلوب مزيد من الحرية والديمقراطية بالمفهوم الإسلامي ، لكي نواكب العصر بشكل سوي وسلس.

وعن نفسي أتبع في مجال الدعوة أسلوبي ومنهجي في إنزال النص القرآني على الواقع في جميع خطبي ، وتدريسي في الكلية والدراسات العليا، وإعدادي لسلسلة من الكتب عن التاريخ الإسلامي ، وأجاهد جهادًا كبيرًا في كل حياتي، فإذا علت نبرة صوتي ، فلا يجب أن تفسر على أنها عنف بل هي نوع من الحماس والتوتر، الذي يلزم الإنسان الذي يهدف لتغيير المجتمع.

* كيف نحقق معادلة إعادة وصياغة وبناء شخصية المسلم مع الاحتفاظ بالقيم والمبادىء الإسلامية؟

- ينقصنا لتحقيق هذه المعادلة الصعبة والضرورية، المؤسسة التي تحمل على عاتقها مسؤولية مستقبل الأمة بأكملها، وهذه المعادلة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال المؤسسات التربوية التي تتولى صياغة شخصية المسلم من جديد، وتزويده بكل الأساليب العلمية المتطورة، لا مجرد التقليد الأعمى لسفاسف الأمور كما يفعل المفكرون في أيامنا هذه.

ولنرجع معًا إلى ذلك الزمان الخصب الذي كان الأزهر فيه مدرسة العلم الإسلامي، في العالم الإسلامي بعد انتهاء الحروب الصليبية بأكثر من نصف قرن، والتي كان يأتي إليها كل راغب في العلم وكل طالب له، ليستزيد من نور الإسلام الذي يتولى الأزهر نشره في العالم ، وكان العالم الإسلامي عالم واحد من خلال وحدة منهجه التربوي والأمة الإسلامية التي كان الأزهر يتكفل بهما ويزود بهما أبناءه من جميع دول العالم الإسلامي في ذلك الزمان. الفريضة الضائعة

* وما هو تفسيركم من أن فريضة الوحدة الإسلامية غائبة عن الواقع الإسلامي؟

- بداية القول إن الدول الإسلامية حاليًا لا تسعى لفكرة الأمة الإسلامية، وواقعنا خير شاهد ودليل، وعندما تنادي أميركا بضرورة العمل على تغيير نظم الحكم في العالم الإسلامي، من ديكتاتورية إلى ديمقراطية، فهو إعلان مشروط بشرط مسبق على أن لا تؤدي هذه الديمقراطية التي تنادي بها إلى نظام إسلامي موحد، ومن هنا فإن فكرة الأمة الإسلامية الموحدة هي الفريضة الضائعة، مستبعدة تمامًا من سياسات الدول الإسلامية المستقبلية.

* هل من خلاص للاستعمار الفكري والإبداعي لشباب الأمة الإسلامية؟

- الصراع بيننا وبين أعدائنا هو في الواقع صراع على استيلاء كمية الذكاء الموجودة في شبابنا وعالمنا، ولنأخذ أميركا مثلاً، وسوف نجد أن 50% على الأقل من العباقرة والنابهين في شتى مجالات العلوم والفنون هم من أصول إسلامية ضاقت بهم الحياة، كما يعانون من اختناق وقهر في بلادهم الأصلية، ولم يجدوا أمامهم سوى الهجرة إلى حيث تزدهر العبقرية.

وتعيش في جو من الحرية وتيسير الحياة، وقد وجدوا في المهجر ما يحتاجونه من أدوات وإمكانيات لتفريغ عبقريتهم في مجال العلوم وهو استثمار لعقول أبنائنا أو على الأصح لثرواتنا من الذكاء والعبقرية لصالح أعدائنا! وأرى أن الخلاص من هذا الاستعمار لعباقرة أمتنا، مرهون بما يحققه المستقبل لشعوب الأمة الإسلامية من تحقيق التقدم وتعديل المسيرة، وفرص العدالة والحرية على أرض الواقع ولن يتحقق هذا إلا بالرجوع للمنهج الإسلامي. البقاء في السلطة.

* إذن هناك مخاطر تواجه الأمة الإسلامية ! وبالتأكيد هناك دور للعلماء؟

- ليس العلماء فحسب، فالحكام وحكوماتهم مسؤولون أمام الله بما يملكون من مقدرات الأمة والشعوب وبالسلطات التي في أيديهم فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن وواجبهم تجميع طاقات الأمة لمواجهة التحديات، فالحكومات تفقد شرعية البقاء في السلطة، إذا لم تتفهم تحديات العصر والعلماء هم ورثة الأنبياء .

ولابد أن يتسع دورهم ليشمل مفاهيم وتحديات المباديء والحضارات والثقافات والقيام بتهيئة الشعوب الإسلامية، وإعدادها إعدادًا سليما لإبراز وجه الإسلام الصحيح حتى تعرف الأمة أخطاءها وخطاياها، والعلماء بما لهم من مكانة كبيرة عند الناس إذا صلحوا صلح الناس .

وإذا فسدوا فسد الناس، وبالنسبة للشعوب بصفة عامة والشباب بصفة خاصة فهم أصحاب المصلحة الحقيقية في العيش في ظلال الإسلام والشباب هم أقدر الناس على مواجهة تحديات العصر، ولذلك فمن المفروض عليهم تكوين رأي عام ومستنير وضاغط ، كي تستجيب نظم الحكم ليعود المسلمون إلى سابق عهدهم مرة أخرى، وعودة الغيرة على الإسلام والحياة الإسلامية أولاً إلى الأمة هي بداية الطريق لكي تقود الأمة الإسلامية العالم مرة ثانية كما قادته في المرة الأولى، ولابد من وضع الأمة الإسلامية في حالة نفسية وتعبئة روحية لإدراك الخطر الذي يتهددها، وبعث الإيمان بقدرتها على تحدي الخطر بطريقة علمية ومدروسة.

نزاعات مسلحة

* وكيف تنظرون إلى واقع المسلمين في ضوء التحديات التي تواجههم من وقت لآخر؟

-لا شك أن أحوال المسلمين اليوم لا تسر مسلمًا، فهم يعانون فرقة كبيرة ليس فقط على المستوى الفكري، ولكن على مستوى الدول الإسلامية وسياستها أيضًا، فنجد الخلافات بينها تتسع إلى حد النزاعات المسلحة، وهذا الأمر يعمق الخلافات بينها ، والبديل في رأيي أن توحد الأمة الإسلامية أهدافها واستراتيجيتها، وألا تتقاعس عن مواجهة الأعداء الذين يحتلون الأرض المسلمة، وينكلون بالشعب المسلم في أماكن كثير ة من العالم منها كوسوفا والفلبين وأفغانستان والعراق وفلسطين.

حضارة شامخة

* هناك اتهام يروجه أعداء الإسلام بأنه لا يعرف بنظام اقتصادي إسلامي ، ونظام سياسي إسلامي معين.. ما ردكم؟

-الإسلام لم يأخذ فرصته في الحكم حاليًا حتى تظهر معجزاته، وإذا أخذها فمن المؤكد أنه سيقيم مؤسسات ونظامًا، والإسلام ليس تجربة جديدة بل أقام حضارة شامخة في العالم ككل، وحكم مساحات ودولاً وأنماطا مختلفة من البشر وتوغل حتى حدود الصين، وليس هناك أدنى شك في أنه قادر على أن ينهض بأمته، ويقيم نظامًا والذين يتهمون الإسلام بهذه الاتهامات الباطلة لا يؤمنون به أصلاً، وإن أصحاب هذا الاتهام هم العلمانيون المتبطلون.

* ما رأيكم في الزواج العرفي؟

- رأيي أن ما يأتي بلا ثمن يذهب أيضًا بلا ثمن ولا تكون له قيمة، فالفتاة التي ترتضي على نفسها أن تتزوج سرًا دون موافقة أهلها أو ولي أمرها، لا يحترمها هذا الشاب الذي ارتضى أن يتزوجها، ولا تكون لها قيمة في نظره، فيأخذ منها ما يريده ثم يتركها، ووالله إني لأتساءل كيف تهون الفتاة على نفسها أن تتزوج دون حفل زفاف وخطوبة، وسط الأهل والأصدقاء؟ عار أن تفعل الفتاة ذلك وهي تعلم علم اليقين أنها تسير في الطريق الخطأ .

* وماذا عن انتشار بعض الأمراض الاجتماعية كالرشوة والفساد والنفاق؟

- هذا الزمان القبيح الذي انهزم فيه الحق وذلت فيه أعناق الأعزاء هو الذي يفيض برذائله على الناس أفراد وجماعات، وهذا الواقع الرديء الذي تعيش فيه النظم العالمية، وتباشر سياستها على أساس الكذب والغش والاستغلال، والناس صورة لزمانهم ، لأنهم لن يستطيعوا أن يسبحوا ضد التيار.

وقد علم الله سبحانه وتعالى أن خلقة سوف يخضعون لسنة أزمانهم فأرسل إليهم الرسل لكي يعلمونهم كيف يقاومون المنكر، ويرفضون الرذيلة ويعفون عن الحرام وتلكم هي رسالة السماء، الناس إذن بين أمرين: فهم إما أن يغلبهم زمانهم فيتردون في القبيح، وإما أن تدركهم رسالة الله ورحمته فتوصلهم إلى الخير.

والحق والجمال * عادة النقاب كثيرا ما يثار حولها الجدل، كيف ترى وضعيته في الإسلام؟ - النقاب ليس فريضة ولا سنة، وإنما هو فضيلة تتخذها المرأة عندما تتوقع أنها قد تتعرض لفتنة، بمعنى أن تكون امرأة جميلة جدا لدرجة أنه قد يفتتن بجمالها الرجال، أو قد تكون المرأة تعاني من عيب في وجهها قد ينفر منها الناس، ولذلك فهي تقدم على ارتداء النقاب كنوع من الستر.

وبالتالي فلا حرج على المسلمة أن تخلع النقاب، لأن من المؤكد في الإسلام ليس الوجه والكفان بعورة، والإسلام فرض على المرأة الحجاب فقط وهذا لا خلاف عليه، فقد نجد أن أنصار النقاب يبالغون فيفرضون على أنفسهم أشياء أخرى مثل ارتداء قفاز لتغطية أصابع اليدين، وهذه مبالغة غير محمودة، بل تعد نوعا من الغلو خاصة إذا تعلق الأمر بالمسلمات اللاتي يعشن في بلاد غير إسلامية أو ما يسمى ببلاد المهجر،.

ومن ثم فإنني أطالب المسلمين والمسلمات بعدم الخلط بين العادات والعبادات وعدم الغلو والتشدد في أمور ليست من الدين، كما انني أنصح المسلمات اللاتي يقمن في بلاد المهجر أن يفقهن دينهن، وألا يتمسكن بأمور ليست أساساً من الدين، وأن يتساهلن في هذه العلامات المميزة، وكما يقول العلماء« إن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة»، وأعتقد أن الحجاب يكفي لتمييز المسلمة عن غير المسلمة، فلا يلزمها النقاب بحال.

* ماذا ترى في الدعاوى التي يروجها أنصار الفكر العلماني التي مفادها أن العلمانية هي السبيل الوحيد للمواطنة وتوفير الحماية للأقليات؟

- مبدأ العلمانية الأول، هو أنه لا حاجة للعالم إلى إله؛ وإنما العالم يدبر نفسه بنفسه، وهذا المبدأ العلماني هو الذي يدير كل العلمانيين، الذين قبل أن يرفعوا راية العلمانية كانوا شيوعيين وماركسيين، والماركسيون يؤمنون بالفلسفة الماركسية التي تقول بالمادية؛ أي «لا إله والحياة مادة»، ومن ثم فالعلمانية هي إلحاد في جوهرها.

ومن ثم لا خلاف بين العلمانية والماركسية في سلوك هؤلاء، وقد اتخذوا العلمانية ستارًا لهم؛ حتى يستغنوا عن المظلة الماركسية، التي ضاعت بانهيار الشيوعية وسقوط الاتحاد السوفيتي عام 1990م ومصطلح العلمانية في أصوله الأوروبية يعني الاعتماد على العالم وعدم الاعتماد على الخالق، فالعلمانيون في الحقيقة ملحدون.

ولكنهم يزعمون أنهم مسلمون ولا شك أن هناك بلادًا تتبنى المذهب العلماني وتعادي الدين؛ فالمحجبات يُمنعن مثلا في تركيا من دخول المصالح الحكومية والجامعات، وفي تونس تجبر المحجبات على خلع الحجاب بالقوة، وهذه الممارسات دليل قاطع على عداء العلمانية للدين، خاصة الدين الإسلامي، ولكن لن يدوم هذا أبدًا، وسيبزغ فجر الإسلام في تونس بسرعة، كما كانت تونس من أسرع الدول إسلامًا في التاريخ الإسلامي.