الأسباب التي يمكن أن تدفع المرء للاهتمام بعمل معماري دون غيره، عديدة ولا حصر لها، سواء أكانت متعلقة بالبناء في ذاته كبناء، أو في سياقه المادي، أو في سياقه الحضاري أو في سياقه الدولي، لكن في مقدمة هذه الأسباب انتماء العمل أصلاً إلى العمارة.
هذا، بالطبع، ليس لغزاً، فالتقديرات المهنية الموثقة تشير إلى أن ما يشيده المعماريون في البيئة المبنية في عالمنا العربي لا يتجاوز الواحد في المئة من مجمل هذه البيئة.ومن المحزن أن العمارة المسجدية ليست استثناء من هذه القاعدة.وما أقوله عن الاهتمام بالعمارة لا علاقة له بالحجم، فلا شك في أن تأثير المعماري لويس كاهن على العمارة في إحدى أكثر دول العالم فقراً، وهي بنجلاديش، هو نموذج كلاسيكي يدرس في أكاديميات العالم.لكن هذه الأكاديميات نفسها تهتم بالقدر نفسه بمسجد محمد بن مدية في ديرة بدبي، باعتباره نموذجاً بالغ الرقي لتأثير العمارة الحداثية في بيئة حضرية مركبة ومتداخلة.ما أريد قوله هو أن بؤرة الاهتمام تدور حول انتماء العمل إلى العمارة من أصله، وليس مجرد كونه يحقق استجابات وظيفية بعينها، حتى ولو كان حجمه كبيراً، أو تأثيره في بيئته عميقاً، أو قيمة ما أنفق على تنفيذه، لهذا فإن الكثيرين من محبي العمارة في الإمارات يرفعون الأكف بالدعاء لتكون مساجد المستقبل تجليات للعمارة، وليس أبنية من النوع الذي لم يتردد المعماري العراقي الكبير رفعة الجاردجي في وصفه بالغروتسيكية في إشارة إلى طابعه الغرائبي.
في هذا السياق من المهم تأمّل مسجد محمد حسن الشيخ بدبي الذي افتتح في مارس 2002، وهي مرحلة زمنية شهدت انطلاق العديد من المساجد، الأمر الذي لم يتم لهذا المسجد أن يحظى معه بما يستحق من تأمل وتفكير وتقدير لما أبدع في غمار إنشائه.هذا مسجد يتطامن هادئاً في سكينة مصافحا العين بالكثير من الملامح المعمارية القريبة من الروح والقلب.
ولست أدري لماذا طرحت على نفسي دوماً التساؤل حول السر في أن هذا المسجد يذكرني بأرقي ما في عمارة المهندس المعماري الإيطالي العظيم ماريو روسو على نحو ما نجدها في مساجد عدة في القاهرة والإسكندرية وواشنطن.تأمل التناسب المدهش بين كتلة قاعة الصلاة الرئيسية المستطيلة الممتدة، وبين مئذنته الوحيدة ذات الطابع المألوف وقبته التي تزنر أسفلها الزخارف الهندسية.
ربما كان الأقوى في المسجد حرص مصممه على تحويل كل جزئية فيه إلى كتلة نحتية بديعة مع توظيف كل العناصر التي يمكن توفيرها، من دون مبالغة ولا إسراف.
هذه المئذنة تلفت نظرك من أين أتيتها، وقوة بدنها السفلي المربع لن تمنع مصممها من تجميلها بعناصر الإنشاء ذاتها، بما في ذلك الشقوق الطولية المؤطرة والفتحات الدائرية التي تتيح دخول الضوء الطبيعي إليها مرشحاً عبر شبكة جصية بديعة، ومن ثم نتابع الانتقال المرهف إلى بدن مثمن ومن ثم دائري ثم أعمدة رشيقة ترفع سلطانيته التقليدية التي يتوجها الهلال المعدني.
انظر كيف جمع المعماري بين عناصر عدة في نحت كتلة الشرفتين، ما بين صفوف من المقرنصات البديعة والستائر الجصية المدهشة وانتقالات المستوى من المقرنصات إلى بدن الشرفة.
هذا الميل إلى الإبداع النحتي ستجده ماثلاً في شرفات المسجد وفي المداخل التي تجمع بين رشاقة الأعمدة ورهافة العقود وروعة الحشوات الزخرفية.أعجبني في هذا المسجد الميل قصداً إلى الوصول بالمشروع الزخرفي في قاعة الصلاة الرئيسية إلى الحد الأدنى، فهذه الزخارف تنقشها أيدي النور الطبيعي المنهل من الشبابيك والكوى والفتحات عبر شبكات جصية مدهشة وعبر معالجة بديعة للزجاج.
هذا الميل كلي الحضور إلى النحت سنجد في المحراب الذي تؤطره أعمدة رشيقة وزخارف هي الرقة بعينها.ومن جديد، سنلحظ أن المنبر البسيط يشكل جانباً من الكتلة المفرغة للمحراب في تجانس رائع حقاً.
كامل يوسف-تصوير: عماد علاء الدين

