قائمة «أدباء بلا حدود» طويلة وقديمة، ويحظى قطرنا اللبناني الصغير الجميل بنصيب الأسد منها. وعلى رأس القائمة يبرز بين الرواد الأوائل المبكرين، اسم الكاتب والمترجم والصحافي واللغوي والرحالة والشاعر والأديب بلا حدود «أحمد فارس الشدياق».
في قرية «عشقوب» بالقرب من بيروت لبنان، ولد فارس سنة 1804 (وقيل سنة 1801)، في أسرة مارونية عريقة مهتمة باللغة والأدب والعلم، فنشأ محباً للاطلاع، شغوفاً بالكتب، وحظي برعاية أخيه «أسعد» الذي كان على حظ مرموق من العلم والذكاء، ثم ألحقه أبوه بكتّاب القرية ثم بمدرسة «عين ورقة» التي كانت تعنى بتدريس اللغة العربية والسريانية والعلوم الدينية والفلسفية.
وفي صباه ذاك توفي أبوه، فاضطر إلى الاشتغال بنسخ الكتب، حيث لم تكن المطابع قد انتشرت، وكان هو شغوفاً بفن الخط وتحسينه. وقد تقلب في أعمال أخرى كالتجارة والتعليم.
ثم حدثت مأساة كبرى في حياته وحياة أسرته، حين خلع أخوه أسعد ــ وكان أحد نوابغ جيله ــ مذهبه الكاثوليكي، واعتنق البروتستانتي، تأثراً بالمرسلين الأميركيين الذين عمل معهم، الأمر الذي أدى إلى اضطهاده وسجنه في صومعة بدري، وتعذيبه حتى الموت.
كانت مأساة أثرت تأثيراً عميقاً في فارس، فكره البقاء في لبنان وضاق بالتعصب الطاغي في أجوائه، وخرج ناجياً بحياته إلى مالطة، حيث قضى نحو سنة وبعض السنة في دراسة اللغة الإنجليزية والمذهب البروتستانتي.
ومن مالطة رحل إلى مصر، حيث أتمّ دراسته في العلوم العربية، ونهل من عيون الأدب العربي، وتزوج وأنجب ولديه «فائز وسليم»، وتفتحت أمامه الآفاق الثقافية وأبواب العمل، حتى تولى تحرير جريدة «الوقائع المصرية» والترجمة لها، خلفاً لرفاعة رافع الطهطاوي، ثم بالتدريس في مدرسة تابعة للإرسالية التبشيرية الأميركية.
وفي عام 1834 ــ وبعد تسع سنوات من الدراسة في مصر ــ شد فارس الشدياق رحله إلى مالطة للعمل بمدرسة الإرسالية الأميركية في تعليم اللغة العربية وتصحيح مطبوعاتهم. واستقر الشدياق في مالطة زهاء أربع عشرة سنة يراجع ويؤلف ويترجم بنشاط، حتى ليكاد لا يوجد كتاب مطبوع في مطبعة مالطة من دون أن يكون الشدياق مؤلفه أو مترجمه أو مصححه.
وفيها اعتنق المذهب البروتستانتي.وفي عام 1848 سافر الشدياق إلى لندن، للمساعدة في ترجمة التوراة إلى العربية. وهناك عاش وخالط الأوروبيين واستوعب حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم بعقل ذكي ثاقب لمّاح، وذاكرة قوية واعية. ثم قدم حصاد طوافه في مالطة وأوروبا كتباً قيمة نادرة ورائدة في بابها.في لندن فقد الشدياق ابنه فائز، الذي توفي في شبابه، وبقي له سليم، الذي تولى تقديم معظم أعماله إلى قراء العربية بعد وفاة أبيه.
ومن لندن، قصد الشدياق باريس، حيث تسنى له أن يتقن اللغة الفرنسية، كما أتقن الإنجليزية من قبل، وأن يستوعب روح الحياة في فرنسا. ثم حدث أن زار «باي» تونس فرنسا ــ والشدياق في باريس ــ وفرق مالاً كثيراً على فقرائها، فكتب الشدياق قصيدة مدح فيها كرمه وسجاياه الطيبة، فأعجب بها الوالي ودعاه إلى تونس، حيث لقي تكريماً وحفاوة، وكلف بتحرير جريدة «الرائد التونسي» الرسمية.
وفي تونس كانت نقطة تحول كبرى في حياته، حيث اعتنق الإسلام، بعد حوارات بينه وبين شيخ الإسلام هناك، وأضاف اسم «أحمد» إلى اسمه، وتكنى «بأبي العباس».
وعلى الرغم من الحفاوة التي أحاطت به في تونس، فإن إقامته فيها لم تطل، فقد طلب السلطان قدومه إلى الآستانة، لتكريمه وتقريبه، فاستأذن الباي وقصد عاصمة الخلافة العثمانية، حيث لقي ترحيب أقطاب الدولة وإنعام السلطان. وأقام سنين عدة متوالياً تصحيح المطبوعات الرسمية.
وفي عام 1861 أنشأ أحمد فارس الشدياق جريدته الشهيرة «الجوائب»، التي ذاع صيتها في شتى أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، وكانت من أهم وأعظم المنابر التي أيقظت الأذهان، بما كانت تنشره من ثقافة وآراء في السياسة والأدب واللغة والاجتماع، لا تخلو من جرأة.
كان الشدياق يطبع جريدته في المطبعة السلطانية، وفي سنة 1870 أنشأ مطبعة خاصة، قامت بدور جليل في إحياء التراث العربي، وأمدت المكتبة العربية بنخبة من نفائس كتب التراث التي كانت مدفونة في خزائن الكتب في الآستانة، حققها الشدياق ومعاونوه كالشيخ «يوسف النبهاني» والشيخ رسول النجاري.
ومن ذلك: «رسائل بديع الزمان الهمذاني»، «مقامات بديع الزمان الهمذاني»، «رسائل الخوارزمي»، «الموازنة بين أبي تمام والبحتري»، «أمثالالعرب» للمفضل الضبي، «ديوان البحتري»، «ديوان الطفرائي».وظل الشدياق عاكفاً على التأليف والتحرير والتحقيق حتى سنة 1884، حين تفاقم ضعف بصره، فاضطر لاعتزال العمل.
في محطات رحلته الحافلة بلا حدود، سجل الشدياق أفكاره وملاحظاته واجتهاداته ونظم أشعاره، وذلك بأسلوبه الذكي اللاذع في سخريته، والسهل الذي يعد رائداً في تخليص اللغة العربية من الجمود الطويل والمحسنات الشكلية القيمة. وتمثل كتاباته تراثاً غنياً نفيساً متنوعاً بين البحوث اللغوية، والترجمة الذاتية، وأدب الرحلات والكتابات السياسية والاجتماعية والأدبية و الدينية والأشعار، مما تتضمنه كتبه الشهيرة، وأبرزها ما يلي:
«كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق»:
والفارياق لقب اتخذه نحتاً من اسمه فاروق الشدياق بأخذ الأحرف الثلاثة الأولى من الاسم الأول، والثلاثة الأخيرة من الاسم الثاني. وقد سجل فيه سيرته الذاتية، ومراحل حياته وما قاساه من مشاق، ومأساة أخيه الذي سماه شهيد الحرية، وأسفاره المتعددة، واستعرض فيه علمه وقدراته الأدبية واللغوية، كما أورد الكثير من أشعاره في المديح والهجاء والرثاء والوصف والغزل والمجون.
ومن جياد أشعاره تلك ما أملته مشاعره عند وفاة فلذة كبده، ومنها:
الدمع بعدك إذ ذكرتك جار
والذكر ما وراك ترب وار
أبني، ما يجدي التصبر قولهم
«حكم المنية في البرية جار»
كلا ولابي قر بعدك من حمى
«ما هذه الدنيا بدار قرار»
«الجاسوس على القاموس»:
وهو كتاب كبير في نقد «القاموس المحيط» للفيروز آبادي، واستدراك ما فاته وبيان أوهامه وأخطائه، إضافة إلى مقدمته وخاتمته الضافيتين في اجتهادات لغوية فذة.
«سر الليال في القلب والإبدال»:
ويتضمن آراءه في نشأة الألفاظ وخصائصها وأصالتها، مما يبين ذكاء وبعد نظره وسعة علمه باللغة والأدب، كما يبين عمق محبته وعشقه لها، حتى إنه يقول في مقدمته: «.. فإن يكن المتقدمون قد اشتغلوا بهذه اللغة الشريفة، فإني قد عشقتها، وكلفت بها حقاً، حتى صرت لها رقا.. إنها أفضل اللغات وأشرفهن وأكملهن..».
«منتهى العجب في خصائص لغة العرب»:
وهو كتاب لم يقدر له أن يطبع، حيث يقال انه احترق مع مكتبته الثمينة في الحريق الذي شب في بيته في الآستانة.
«الواسطة في أحوال مالطة»:
هو كتاب صغير في أخبار الجزيرة التي قضى بها أكثر من أربع عشرة سنة من عمره، فعرفها معرفة دقيقة وخبر طبائع أهلها خبرة عميقة، وفي ذلك يقول: «.. فعن لي أن أظهر ما بطن فيها، وأكشف مخبأها لمن رغب فيها أو عنها..».
«كشف المخبا عن فنون أوروبا»:
وهو كتاب موسوعي من أدب الرحلات، سجل فيه ملاحظاته اللماحة لكل جوانب الحياة في بلاد الإنجليز وفرنسا، من معالم وعادات ونشاط اقتصادي وسياسي واجتماعي، واستطرادات تاريخية. وكل ذلك بأسلوب سلس حافل بالظرف وخفة الظل والسخرية اللاذعة أحياناً.
وهذا الكتاب مكانه في المكتبة العربية يتمم كتاب الطهطاوي الرائد: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
«اللفيف في كل معنى طريف»، و«غنية الطالب ومنية الراغب»، و«الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنجليزية»، و«السند الراوي في النحو الفرنساوي».
وفي مجال الترجمة، يؤثر للشدياق ترجمته المتميزة للكتاب المقدس بقسميه: العهد القديم، والعهد الجديد، وترجمة لمجلة الأحكام العدلية من التركية إلى العربية، ووضعه لكثير من المصطلحات وأسماء المستحدثات، مما لا يزال يستعمل حتى الآن، مثل: باخرة، وجامعة، ومستشفى، وطابع (بريد)، وجواز (سفر).
أما شعره، فإلى جانب ما نشره في أثناء كتبه، فإن له ديواناً مخطوطاً لما ينشر، ومما نشر تتجلى موهبته وتضلعه في هذا الفن البديع الذي كان فيه طويل النفس. ناسجاً على منوال الأقدمين.
ومما قال، ولعله يصدق على أحوالنا العربية الأليمة:
يا مؤمنون هو الجهاد فبادروا
متطوعين إليه حتى تؤجروا
في لن تنالوا البر حتى تنفقوا
مما تحبون الدليل الأظهر
وتمسكوا بالعروة الوثقى من
الصبر الجميل على القتال وذمروا
لو لم يكن منكم سوى نفر لما
غلبوا، فكيف بكم وأنتم أكثر
في سنة 1886، حداه الحنين إلى القاهرة، حيث غمره فيض من الاحتفاء والتكريم والإعجاب من صفوة رجال الأدب والصحافة، لحلو حديثه وظرفه، وقوة ذاكرته، وواسع معارفه وخبراته.ثم عاد الأديب بلا حدود إلى الآستانه، المحطة الأخيرة التي طاب فيها مقامه.وفي العشرين من سبتمبر 1887 أسلم الروح، ونقل ــ حسب وصيته ــ إلى وطنه الأول، حيث دفن في الحازمية بالقرب من بيروت.
عبدالوهاب قتاية
