* الأطفال النجباء

من الشعر المتعلق بالأولاد (من البنين والبنات) شعر نظمه شاعر في حق ولد من أولاد أقربائه أو أصدقائه، على لسان الأب: يحكي حاله ويشابه موقفه، ويفصح عن عواطفه، ويبين عن مزاياه.

وهذا الشعر قد يكون من باب أداء الواجب، وقد يكون من الكلام المغموس في عواطف الأبوة، الناضح بنبض الوجدان، المتمثل تلك الحال تمثلاً تاماً.ولمعروف الرصافي قطعة نظمها في ولد أحد أصدقائه، ويدعى عبد اللطيف. كان هذا الولد طفلاً في أول الطفولة، فقد صار يشير بيده، ويتكلم بكلام غير مفهوم (وإن كان هو كما يبدو يعرف ما يقول)، فقال الرصافي واصفاً الصغير بما ظهر منه، ومتغلغلاً في دواخل الصغير على قدر استطاعة استكشاف الشاعر لعالمه الداخلي، قال:نجلُ عبداللطيف وهو نجيبٌ

كيفَ لا يُظْهِرُ النّجابةَ طفلاً؟

إن يكن غير واضح القول لفظاً

فكلام النجيب يفهم عقلا

كلما قال أو أشار فمعنى

قوله أنّه علاء سَيَعْلى

نجل آل المنديل غير عجيبٍ

أن يكون النجيبُ طفلاً وكهلاً

أيها النجلُ عش لتجديد مجدٍ

قد بَنَتْهُ لك الأوائل قبلا!

فإشارات الصغير مفهومة بالتوهّم، وفي تلك الإشارات ما ينبئ عن مستقبل طيب لذلك الصغير، لأنه سيكون مثل أهله المعروف عنهم ذلك.

والعرب يحبون أن ينشأ أولادهم في ظل الرعاية التامة وخصوصاً في ما يتعلق بعزة النفس، وطلب المعالي، واستمرارية النجابة في الأسرة أو القبيلة.

وقد يكون الشعر الذي ينظمه الشاعر في ولد من أولاد أصدقائه تعبيراً عن الأمرين معاً: الثناء على الصغير الذي سيكبر ويثبت وجوده، ويفخر به أهله من جهة، ووصل العلاقة مع الصديق والد الطفل الذي يتحدث الشاعر عنه.

فهذا ولد سماه أهله (نهاد) وهو من الأسماء المشتركة، وفرح به أهله والشاعر يشارك أهل الولد فرحتهم به، وينطق عن لسانهم فكأنه في مقام والد الطفل أو جده أو عمه.

قال قصيدة عنوانها (نهاد قرّة الأعين)

كان مُذْ قال واهب الأولادْ

لنهاد كُنْ

فاستمرّت بحمدها المزواد

تنطق الألْسُنْ

لاَح بَدراً له بأُفق الناّدي

طلعة تَحْسُن

أولد النور منه للوُقّادِ

بهجة الأعينْ

نهر بيروت منه بالميلاد

فاخر الأُردن

هو في آل بيتهم الأمجادِ

نبعة الأغْصُنْ

كان عيداً لهم من الأَعيادِ

في مدى الأَزْمُنْ

إن تاريخه «حياة نهادِ

قرّة الأَعْيُن»

وآخر عبارة في البيت الأخير «حياة نهاد قرة الأعين» لو حُسبت بحساب الجمل لكانت 1341 هجرية، وهذا التاريخ يوافق سنة ميلاد الصغير نهاد. وهذه عادة سادت في أشعار شعراء عدة قرون سابقة.

ومن صفات الصغير، وحال أهله وأقاربه، وغيرهم: أنه بهجة للأعين، وهو في قومه الأقربين نبعة الأغصن، وهو بصفة عامة (عند أهله وغيرهم) الأعين.

وهذه عبارة مأخوذة من أصل قرآنيّ؛ في سورة الفرقان آية 74 (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) والذريات جمع الذرية. أي: قرة أعين لنا.

ومعنى أقر الله عينه: أي بلغه أمنيته حتى ترضى نفسه، وتسكن عينه (ويهدأ باله) فلا تستشرف (تتطلع) إلى غيره، فهو قرير العين.

وفي قوله تعالى (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أي: طيبي نفساً.

ويتكرر ذكر العين والقلب في بيان محبة الأطفال والانشغال بهم كقول الرصافي أيضاً في:

لم تَرَهُ مقلتايَ إلاّ

أَحْسَسْتُ في النّفسِ بانتعاش

في العَيْن أم في الفؤاد أحلى

مرآه مُذ قام وهو ماش؟!

أ.د محمد رضوان الداية