* «يا أيها الذين آمنوا» «يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم» (المائدة: 54)

يحتوي هذا النداء على أشياء مهمة جداً، في مقدمتها بيان إمكانية حدوث الارتداد وترك الإسلام في صفوف المؤمنين، وهو أمر في غاية الخطورة وقد يحدث وينتشر في كل زمان وفي أي مكان بشكل يهز أنفس المسلمين. وقد حدثت بالفعل موجة من الردة عن دين الله وانتشر من يرفض دفع الزكاة في عهد أبي بكر الصديق عليه رضوان الله، بداية من بني مدلج بزعامة الأسود العنسي، ثم بني حنيفة بزعامة مسيلمة الكذاب وطليحة ابن خويلد الذي أشـعل نار الفتنة والانحراف بين بني أسـد والقبائل التي ارتدت في ذلك العهد وكان منها فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربع وقسـم من بني تميم، وكندة.

وبنو بكر وغسـان، كما حدث أن ترك بعض المسلمين دينهم في عهد الأمويين والعباسيين والعثمانيين فيما عرف بالزندقة، بل إنه حدث في العصر الحديث أن ارتد البعض عن الإسلام ولجأ إلى أوروبا أو أميركا كسلمان رشدي وغيره، لذا فإن الآية تقرر حكماً شاملاً كل الأزمنة والأمكنة.

أيها المؤمنون! من يرتد عن هذا الدين فليعلم بأن الله سوف يأتي بقوم مؤمنين نجباء ليكونوا أداة لإقرار دين الله في الأرض، وتحكيم شرعته ومنهاجه في حياة الخلق وأنظمة المجتمع القضائية والسياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها، وبالتالي يتم تحقيق الصلاح والخير والطهارة.

أول صفات هؤلاء القوم أنهم يحبون الله الذي يبادلهم جل شأنه هذا الحب بحب إلهي, يذوقون طعم وصاله ويتمنون دوامه حتى لو هجروا كل الخلق كما قالت إحدى الهائمات بحب رب العباد:

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب

وهم قوم متواضعون «أذلة على المؤمنين» يتسمون باللين وخفض الجناح للمؤمنين، وليس في ذلك مهانة أو تقليل من النفس، لكنها الأخوة التي تزيل الحواجز وتقوي التلاحم بين لبنات المجتمع المسلم فيزداد بناؤه قوة، وصرحه ارتفاعاً. وهم في الوقت ذاته «أعزة على الكافرين» لكنها ليست العزة للنفس, وإنما للعقيدة. وهي عزة نابعة من الثقة بأنهم على الحق, وبأن دين الله هو الغالب وبأن حزب الله هم المفلحون.

هدفهم إرضاء الله وإعلاء كلمته، فهم مجاهدون على الدوام في سبيله، لا يهمهم سخط الناس ولا لومهم، ولماذا يخافون من لوم العباد، وقد ضمنوا حب رب العباد إنما يخشى لوم الناس من يستمد مقاييسه وأحكامه من أهواء الناس ومن يستمد عونه منهم، أما الذي يستمد عزته وعونه من الله فلا يعبأ بقول الناس ولا يصغي للومهم، لأنه يعلم أن النفع والضرر بيد رب الكون خالق الناس لا بيد الناس العبيد لله.

ثم يختتم الله النداء: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. والله واسع عليم»، فيعطي عن سعة، ويختار لعطائه من يشاء عن علم وعن تقدير.

محمد علي الأطرش