أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

الهاتف اللاسلكي والخلوي المحمولاشتقوا اسمه بالطبع من مادة اللغة اليونانية التي تفيد معنى الصوت البعيد.. تيلي فون.. واستخدمها قومنا اليعاربة سواء في أصلها الرومي – تليفون أو في صيغتها الأكثر تعريبا وهي الهاتف. وفي كل حال فالتعريف الأبسط لهذه الوسيلة – الثورية حقا من سبل الاتصال البشري، ومن ثم التواصل والتجانس والتواؤم الاجتماعي هو أنها آلة أو جهاز يستخدم لنقل الصوت بين موقعين متصلين بخط مخصوص وبشكل فوري.. بمعنى أنه جهاز إرسال واستقبال وبالعكس، وهو جزء من شبكة سلكية تضم عدداً من المشتركين الذين يتميز كل منهم برقم خاص.

ومن عجب أن كتب المطالعة والتاريخ تنسب الفصل إلى الأميركي ألكسندر جراهام بل بوصفه العبقري النحرير مخترع الهاتف. والرجل مولود أصلا في اسكتلندا بانجلترا عام 1847 ثم هاجر إلى أميركا وتخصص في تعليم فاقدي السمع وربما دفعه هذا إلى أن يشغف بنقل الصوت سلكيا عبر الجهاز العجيب الذي قيل انه توصل إليه وهو الهاتف – التليفون.

لكن يبدو أن الأميركان على طريقتهم أوغلوا في ضروب البروباغاندا لتخليد اسم ألكسندر بل وهاتفه الرائد، ذلك لأن المراجع العلمية الثقات باتت تطرح أسماء أخرى وتعزو لأصحابها فضل اختراع هذا الجهاز منذ بداياته الأولى.. وإذا لم يكن لهؤلاء فضل السبق فإن لهم فضل مشاركة غراهام بل في هذا المضمار ولو على سبيل أضعف الأيمان..

ومن هؤلاء المبتكرين العظام يرد اسم أليشا غراي وجوهان رايس ثم انطونيو ميوتشي وربما يكون هذا المخترع الإيطالي الأخير هو الأهم إذ ظل اسمه مطروحا في مضمار التنازع من ألكسندر بل ورفاقه حول السبق إلى اختراع أول هاتف في التاريخ. ولم تحسم القضية لصالح أنطونيو موتشي إلا بقرار من الكونجرس الأميركي شخصيا اعترف فيه بأن الرجل هو أول من ابتدع جهاز الهاتف للاتصال، عام 1848.. وبديهي أن موتشي لم يستفد من هذا الاعتراف لا في قليل أو كثير لأنه كان قد مضى إلى رحاب مولاه قبل هذا الاعتراف البرلماني الأميركاني بأكثر من 133 سنة.

وفي كل حال فإن حوليات التأريخ للهاتف تؤكد أن أول ظهور لهاتف المخترع الطلياني يوم حصوله على براءة اختراعه كان في 28/2/1871 تحت عنوان التلغراف الصوتي.. وسجلت أيضا عجز المخترع المذكور عن تطوير نموذجه الهاتفي الرائد بمعنى الساذج أو الخام نظرا لنضوب موارده المالية، ولعل هذا هو السبب في إتاحة المجال لمنافسة ألكسندر غراهام بل لكي يحصل على براءة هاتفه في 6/4/1875 تحت عنوان أجهزة الاستقبال والإرسال للتلغرافات الكهربائية.

ورغم الثورة الاتصالية التي أحدثها دخول الهواتف حياة المجتمع البشري مع النصف الأول من القرن العشرين، فقد ظل الطموح يراود الناس في التوصل إلى هاتف لا يحتاج إلى أسلاك ولا يسكن في موقع ثابت..

وهو ما تحقق منذ 60 عاما بالضبط حين بدأت شركة لوسنت تكنولوجيز في ولاية نيوجيرسي الأميركية تجاربها عام 1947 من أجل إنتاج جهاز للهاتف الجوال.. النقال.. المحمول – الخلوي (سليولار وهو الاسم المعتمد في أميركا). مع ذلك فقد فازت شركة أخرى من شيكاغو بإنتاج أول هاتف من هذا النوع بفضل وجود باحث مبتكِر بين هيئة موظفيها هو مارتن كوبر الذي أجرى أول مكالمة بهاتف لا سلكي في 13 أبريل من عام 1973.

وتشاء مقادير هذا النوع – العملي للغاية – من الهواتف أن ينتقل إنتاجها وتطويرها من أميركا واليابان وغيرها من مواقع تشجيع الابتكارات إلى بلد خافت السمعة من شمالي أوروبا هو فنلندا الذي كان يضم شركة تخصصت منذ القرن 19 في صناعات الورق الذي اشتهرت به فنلندا، ثم قررت منذ الستينات أن تدخل ميدان الاتصالات السلكية واللاسلكية فكان أن طرحت أحدث وأدق الأجيال من هذه الهواتف مما أشعل المنافسة بينها وبين منتوجات شركات أخرى في أكثر من قطر في أوروبا أو آسيا أو أميركا.. حيث الهدف باستمرار هو تصغير الحجم وتنويع الاستخدام وتخفيض الأسعار.

وريقات اللصق الصفراء

وريقات اللصق الصفراء.. وسيلة أكثر من متواضعة تحتويها مجموعات القرطاسية ولا تكاد تفرض نفسها ـــ لفرط تواضعها بين أقلام الكتابة الثمينة أو الأدوات المكتبية ذات الأدوار المهمة ما بين لمبات الإضاءة المخصوصة أو الدباسات بأنواعها المختلفة أو الملفات والكلاسيرات، فضلا عن الأجهزة الأكثر تعقيدا والأغلى ثمنا. مثل ديكتافون الإملاء.. أو حاسوب المعلومات أو آلات تقطيع الأوراق المختلفة أو ماكينات إعدام الوثائق والمستندات لزوم درجات متعددة من السرية والكتمان.

الوريقات اللاصقة عبارة عن مربعات أو مستطيلات في حدود 3 سم قد تقل مساحتها أو قد تزيد في أضيق الحدود، ويعلوها من خلفها نوع من الصمغ النظيف الذي يقبل الالتصاق بقدر ما يقبل الانتزاع دون أن تخف نوعيته ودون أن يترك أثرا، ومن ثم تصلح هذه الوريقات لملاحظة ندونها أو فكرة نتذكرها أو عبارة نستخدمها كرمز أو علامة أو إشارة تحتاج إلى استدعائها وسط دوامة العمل أو قد نودع هذه الوريقات موجزا بتعليمات أو بتوجيهات موجهة إلى أفراد آخرين. قد يغلب عليها اللون الأصفر الفاتح قليلا.. ولكن قد يتم إنتاجها بألوان أخرى لكن بنفس المميزات.

وهي في كل حال آية على أن الاختراع ليس بالضرورة بالشيء الخطير الفادح الجسامة من قبل الطيارة في الفضاء أو السيارة في الطريق أو الحاسوب في المكتب أو جهاز التليفزيون في حجرات النوم أو الاستقبال: الاختراع هو كل ما يبتكره عقل الإنسان من أجل تيسير الحياة لصالح هذا الإنسان وقد يكون هذا الاختراع جليل الشأن من قبيل جهاز التكييف أو جهاز الرادار.

. وقد يكون متواضعا بقدر ما هو مفيد مثل القلم الجاف أو زجاجة الترموس أو مقلاة التيفال أو.. الوريقات اللاصقة الصفراء التي يكاد ينقضي على اختراعها ما يقرب من 40 عاما من زماننا المعاصر حيث كان البروفيسور سبنسر سيلفر يعمل في مختبره على التوصل إلى نوع مخفف من الصمغ لاستخدامه في أغراض الحياة اليومية.

كان ذلك في عام 1968.. وفي عام 1974 كان زميله آرثر فراي يتضايق خلال تلاوة الترانيم في المناسبات الدينية عندما تضيع منه معالم الصفحات التي يريد قراءتها.. بعدها جرب الزميل استخدام وريقات غمسها في صمغ الدكتور سيلفر. كان فراي مهندسا كيميائيا وكان يعمل في شركة مينسوتا لأعمال الصمغ اللاصق.. ويومها قال لخلصائه:

- بصراحة أنا بحاجة إلى علامة أضعها عند الصفحات التي أريدها ولكن بحيث تبقى هناك، وأيضا بحيث أزيلها بسهولة دون أن تترك أثرا يشوه سطور الترانيم – والابتهالات التي تحويها صفحات الكتاب. كان ذلك في عام 1974. وبعدها عكف الزميلان على تطوير المسألة.. واستخدما لهذا معامل الشركة.

وأجهزتها – وكان من حسن حظهما (وهذا درس نراه مفيدا لقومنا في دنيا العرب) أن كانت الشركة الأميركية ومقرها مدينة سان بول في ولاية مينسوتا تسمح لموظفيها أن يمضوا نسبة 15 في المئة من وقتهم عاكفين على أي مشاريع أو أفكار تراودهم باعتبار أن هذا الأمر مفيد لراحتهم النفسية ولإحساسهم بجدارتهم كمهندسين وباحثين..

ثم إنه قد يعود بنوع من الجدوى على تطوير أعمال الشركة وتجويد منتوجاتها في كل الأحوال. وعندما أثبتت فكرة هذه الوريقات اللاصقة جدواها، تقدم صاحبها الدكتور سبنسر سيلفر لتسجيل براءتها كاختراع في يوم 9 مارس من عام 1970.

وبعدها بدأوا يطرحون المنتج في الأسواق حيث استغربه الناس في بادئ الأمر، فما كان منهم إلا أن طرحوه على شكل مجموعات مجانية في عام 1977 وبعدها أقبل عليه المستهلكون منذ عام 1980.. إلى حيث أنتجوا من هذه المذكرات اللاصقة نوعا أرقى من حيث جودة الورق وصفاء اللون ونوعية الأصماغ، فضلا عن نوع يصلح للصق فوق الأسطح الأفقية وغير الناعمة الملساء وكان ذلك في عام 2003..

فكان أن اضطرت الشركة الأميركية المنتجة إلى تنويع السلعة المستجدة في السوق لدرجة أن طرحت 400 نوع من هذه الورقات – المذكرات واصطنعت لها 29 لونا و 57 شكلا و 27 حجما على نحو ما تقول سجلات تطور هذا الاختراع وإن كان اللون الأصفر ظل متسيدا ـــ كما ألمحنا – ومفضلا عند المستعملين لأنه يصلح للصق والوضوح (بغير استفزاز) فوق أديم الأوراق الناصعة البياض. بل زادت الشركة بعد دراسة السوق بأن طرحت نوعيات من وريقاتها تحمل سطورا مطبوعة جاهزة وصالحة بالطبع لاستخدامات مختلفة حسب الرغبات واحتياجات وظروف من يستخدمونها.

محمد الخولي