ويحظى بها الإنسان بالكد والعمل ليخبر منكم القاضي: أنني أحثهم في جلساتي على الرحمة والمواساة، وأوزع عليهم رقاع الألفة والمؤاخاة؛ فعندما يصوم الصائمون يستشعرون رحمة الله بعباده (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ) «الأعراف:156» فيرحمون كل مصدور ومكبود، ويحدبون على كل مقروح ومفؤود، ويؤتون كل محتاج.

تتقاذفه الأمواج، ويرثون لحال من ضرسته الأحزان بأنيابها، ووطئته الأشجان بمناسمها، وقد تفيأوا ظلال هذه الآية الكريمة (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «الحجرات 10»، واستضاءوا بهذا القبس القرآني: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) «آل عمران:103»

إنهم يرددون عند تصافح القلوب قبل الأكف:

وإنما المرء بإخوانه

كما تقبض الكف بالمعصم

ولا خير في الكف مقطوعة

ولا خير في الساعد الأجذم

قال لي صاحبي: هيه، هيه يا رمضان، فأنت لسفينة صومنا كالربان. فقلت: لا يغيب عن الأحلام أن ربي سبحانه وتعالى جعلني لكم طبيباً، أعلم مواطن الداء، ومكامن العلة في الأجسام؛ فأختار لكم ترياقاً خفيفا، ودواء لطيفا تصحون به، وتتقلبون في أعطاف العافية والشفاء. لم أمنعكم من الطعام والشراب عبثا، ولم أترككم في الملذات تنغمسون جميعا أو أشتاتا.

إني أتيت لأطهر معدكم من الرواسب والأخلاط العالقة بها، وأرفع عنها ما كانت تشكو منه في زمن الامتلاء، وأنقي الشعيرات الدموية مما يعوقها من الشوائب والسموم. فترى الدماء تجري في عروقها جريان النيل في أرض الكنانة، أو نهري دجلة والفرات في أرض بغداد.