قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وهذا يعني العرب الذين بعث منهم النبي العربي بالقرآن العربي في مجتمعاتهم قبل الإسلام أخلاق كريمة اشتهروا بها وعرفت فيهم ولم ينكرها عليهم الإسلام فحدث بذلك الصادق المصدوق بالحديث آنف الذكر. وعندما يقول رسولنا الكريم «لأتمم مكارم الأخلاق» فيعني ذلك أن تلك الأخلاق الكريمة التي كانت في العرب في جاهليتهم الأولى فيها نقص أو تشوبها شوائب فجاء الإسلام ليتمم النقص ويهذبها، وهذه حقيقة لا مراء فيها.
ومن السنن الأخلاقية ما هي عامة ومنها ما هي خاصة. فعن العامة قوله تعالى: «قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث» سورة المائدة ـــ الآية 100. وقوله تعالى: «إنا لا نضيع أجر المحسنين» سورة الأعراف ـــ الآية 170 وقوله تعالى: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» سورة الرعد ـــ الآية 11 وقوله تعالى: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون» سورة الأعراف ـــ الآية 96.
وقوله تعالى: «ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله» سورة فاطر ـــ الآية 43 وقوله تعالى: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون» سورة الأنبياء ـــ الآية 105 وهذه نماذج سريعة وفي القرآن والسنة الشواهد لا تحصى عدداً.
أما عن السنن والأخلاق الخاصة فهي تتلخص في الرحمة والعدل والصبر والرفق والحياء وما إلى ذلك مما يدور في فلك أقوال رسول الرحمة، ومن ذلك قوله «من لا يرحم لا يرحم» أخرجه الشيخان في صحيحيهما وقوله «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» أخرجه أبو داود في الأدب وكذلك ورد عند البخاري في الأدب المفرد وعند الإمام أحمد في مسنده، وقوله صلى الله عليه وسلم «إنما تنصر هذه الأمة بضعفائها، بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم (انظر كنز العمال 3/174) ومن أقواله عليه الصلاة والسلام في التراحم والرحمة »من أحب أن يبسط الله له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة ـــ باب صلة الرحم.
وقد نهى الإسلام عن الظلم وحث على إقامة العدل فقال تعالى «إنه لا يفلح الظالمون» سورة الأنعام ـــ الآية 21 وقوله تعالى «ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا» سورة يونس ـــ الآية 13.
وقوله تعالى: «وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال» سورة إبراهيم ـــ الآية 45. وفي السنة قوله صلى الله عليه وسلم «من أعان ظالماً سلطه الله عليه» رواه ابن عساكر عن ابن مسعود (كنز العمال ـــ 3/492) وقوله عليه الصلاة والسلام «إن الله يملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته، قال ثم قرأ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد» سورة هود ـــ الآية 102 والحديث رواه البخاري في كتاب التفسير.
هذا بشأن الظلم، وعلى نقيضه «العدل» وقد ورد في قانون العدل الكثير من آيات الذكر الحكيم، فالإسلام يدعو إلى إقامة العدل بين الناس بل إن المؤمن ينبغي عليه أن يكون قواماً بالقسط (العدل) ولو على نفسه أو الوالدين أو الأقربين فلا محاباة في الإسلام بسبب القربى. قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين، إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما، فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا، وان تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا» سورة النساء ـــ الآية 135.
وتأكيداً للعدل في الإسلام، يطالب المؤمنين أن يكونوا عادلين حتى مع مبغضيهم أو من يعلن العداء عليهم بحيث لا يظلم هذا المبغض بسبب بغضه، وإنما يتوخى معه العدل، فمن التقوى أن نمارس معه العدل فإن ذلك يبين لمن كان له قلب يعي عدالة الإسلام وسماحته (ولنا رؤية مع هذه السماحة في نموذج من أحد الصحابة الكرام في حلقاتنا القادمة إن شاء الله فابقوا معنا متابعة) قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون» سورة المائدة ـــ الآية 8.
وهناك الآية 152 من سورة الأنعام وقد اشتملت على وصايا في العدل تعتبر دستوراً أو بنداً في دستور النهج القويم للمسلم الذي يتدبر ويعمل بما في قرآنه من شرعة ومنهاج لا يعلو عليه سواه قال تعالى: «ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا نكلف نفساً إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون» سورة الأنعام ـــ الآية 152.
أما عن الصبر فقد وردت آيات كثر في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: «إنه من يتق ويصبر، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين» سورة يوسف ـــ الآية 90. ومعلوم ما كابده يوسف عليه السلام من مشقات وابتلاءات وقد صبر عليها فكان عاقبة صبره أن جمعه الله بأهله من البادية بعد أن نزغ الشيطان بينه وبين إخوته ومكن الله له في الأرض.
ومن جهة أخرى كان صبر أبيه يعقوب الذي ـــ رغم السنوات ـــ لم يقنط من رحمة ربه وكان يعيش على أمل أن يلقاه من جديد وفي السنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقة لخفف عنه ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض وليس عليه خطيئة» رواه الإمام أحمد في مسنده.
ومن قوانين الرفق ـــ وهو خلق من أخلاق الإسلام الكريمة قوله تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» سورة آل عمران ـــ الآية 159. ومن أخلاق الإسلام الحياء فهو من الإيمان وهو الكابح الذي يكبح من الأفعال المشينة، ولنا جولة أخرى بإذن الله نستكمل فيها هذا الموضوع المهم.
