لم يتخرجوا من كليات إعلام، ولا نالوا من التدريب على فنون العمل الإذاعي ما يؤهلهم لحمل مسؤولية إذاعة وليدة، في زمن لم يعرف الناس فيه من الإذاعات إلا ما كان يصل عبر الأثير من بلاد بعيدة يسمع الناس عنها ولم يروها، لكن مشاعرهم وأحاسيسهم تعلقت بها فحفظوا أسماء إذاعاتها ومذيعيها الذين كانت أصواتهم وتعليقاتهم تلهب حماس الجماهير، في مرحلة اصطبغت بالمد الثوري الذي اجتاح الوطن العربي من المحيط إلى الخليج وأتاح للإذاعة أن تلعب دوراً في إذكاء جذوته.

هكذا كانت المجموعة الأولى من المذيعين الذين بدأ الناس يتعرفون على أصواتهم من خلال إذاعة (صوت الساحل من الإمارات المتصالحة) التي سجلت لنفسها الريادة من حيث البث في الإمارات وكان يشرف عليها (مكتب التطوير) التابع لمجلس حكام الإمارات المتصالحة في أواخر الستينات من القرن العشرين.

لم يكن دور موظف الإذاعة وقتها مقتصرا على عمل واحد فقط، إذ كان يطلب منه أن يؤدي جميع الأعمال الإذاعية من تقديم برامج وقراءة أخبار وإخراج وإعداد وتنسيق وأعمال هندسية وغيرها من الأعمال الفنية والبرامجية الإذاعية، ويحدث أحيانا أن يتخلف عن الحضور المقرئ الذي كان يفتتح الإرسال بتلاوة ما يتيسر له من آيات الذكر الحكيم فيقوم المذيع بأداء هذه المهمة كما فعل الدكتور أحمد أمين المدني الذي عمل في مرحلة من حياته مذيعا.

ولأن الناس لم يكونوا يعرفون إلا الأصوات التي كانوا يسمعونها من خلال أجهزة الراديو فقد أصبح المذيعون خلال فترة قصيرة نجوما، وتألق وقتها (خلفان المر) في برنامج «ما يطلبه المستمعون» وأصبح صوته مألوفا لدى الجميع، وكذلك فعل (صابر محمد) الذي خرج بالميكرفون من الأستوديو وحمل جهاز تسجيله إلى المناطق البعيدة من الوطن لينقل للمستمعين فنون ولهجات أهل الإمارات.

وكان من أبرز ما قدمه ذلك التسجيل لأهل «كمزار» وهم يتحدثون بلهجتهم الخاصة التي لم يستطع أحد أن يتعرف على كلمة واحدة منها سوى أولئك الذين كانوا يتحدثون بها.

وهكذا ضمت القائمة أسماء كثيرة لم تسقط من ذاكرة الأيام حتى لو اختفت عن الساحة تماما وتوارت عن أنظار جيل اليوم الذي اختلفت مقاييسه ولم يعد يحفظ لها مكانتها التي تبوأتها عن جدارة واستحقاق.

بهذه اللقطات شديدة الإبهار تسجل الذاكرة بدايات البث الإذاعي في هذه المنطقة من الوطن العربي، في زمن لم تكن تعرف فيه أنها تعيش مخاضا سوف يجعلها تلعب دورا مهما في حركة الإعلام العربي يضعها في الصدارة، لتصبح مناطقها الإعلامية والتكنولوجية واحدة من أهم مراكز استقطاب وسائل الإعلام العربية والعالمية من صحف ومجلات ووكالات أنباء ومحطات إذاعة وتلفزيون، مسجلة نموا في هذا المجال لم يسبقها إليه أحد.

ولكن رغم سيل الإذاعات التي يضيق عنها الأثير الرحب هذه الأيام تبقى لإذاعات البدايات نكهتها الخاصة التي لا يستطيع أن ينافسها عليها أحد، وتبقى لأصوات مذيعيها نبراتها المميزة التي لا تشبهها نبرات أخرى، ويبقى لبرامجها ألقها الخاص الذي يزداد توهجا بمرور الزمن لأنه ارتبط بمرحلة من العمر جميلة، تشكلت خلالها خلايا النسيج الأول للشعور والفكر والوجدان فأضفت عليها طابعاً لا يمكن أن يتغير أو يزول أو يبهت.

يتجول مؤشر الراديو اليوم بين مئات المحطات التي يبث بكل لغات الدنيا باحثا عن «الصوت» فلا يأتيه إلا «الصدى» ، وشتان ما بين الصوت والصدى لأن الأصوات الجميلة لا تتكرر ولا تأتي في العمر إلا مرة واحدة، كي تأخذ مكانها الأثير في الذاكرة، ولا تدع مجالاً لغيرها مهما تقادم عليها الزمن.

aliobaid4000@yahoo.com