انجلت غزوة بدر عن أكثر من سبعين أسيرا في أيدي المسلمين، فكانت تجربة جديدة ولم تكن هناك دولة بعد للمسلمين، إذ تم ذلك بعد الهجرة بنحو سنتين فاستشار النبي المسلمين ماذا يصنعون بالأسرى. فتكلم أبو بكر وبيّن أن الأسرى هم قرابتهم وأرحامهم. ولو أخلوا سبيلهم بالفداء لانتفع المسلمون بهذا الفداء خاصة وأنهم في مسيس الحاجة إليه. كما أن هذا التصرف قد يحمل الكثيرين من الأسرى على دخول الإسلام ومن ثم تعتز بهم الدعوى. وأيد هذا الرأي نفر من الصحابة.

أما عمر بن الخطاب فبيّن أن الكفار قوم مجرمون وأنهم اعتدوا عليهم حتى أخرجوهم من بلدهم ثم تابعوهم إلى المدينة. وأنهم لو أدركوا من المسلمين مثل هذه الفرصة ما أخذتهم فيهم شفقة ولا رحمة.

وأنهم إن نعموا بالحرية قد يجمعون صفوفهم من جديد ويهاجمون المسلمين مرة أخرى. ولذلك رأى قتلهم وآزره في رأيه نفر كبير حتى قال عبد الله بن رواحة بل إني أضيف إلى هذا أن يحفر لهم حفرة كبيرة وتشعل فيها النيران ثم نلقي بهم فيها!.

وعند ذلك نظر النبي صلى الله عليه و سلم إلى أبي بكر وقال{إن الله ليُلِين قلوب

قلوب رجال فيه حتى تصبح ألْيَنَ من الماء» ثم نظـر إلى عمر وقال:{وإن الله

ليُشَدِّد قلوب رجال فيه حتى تصبح أشد من الصخر»! ثم نظر إلى أبي بكر وقال {وإن مَثَلَكَ يا أبا بكر كمَثَل إبرهيم قال: (مَنْ تَبِعَني فإنَّه مِنّي، ومَنْ عَصَاني فإنكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)) (إبرهيم) وإن مثَلَك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم قال (إنْ تُعَذِّبْهُمْ فإنهمْ عِبَادُكَ، وإنْ تَغْفِرْ لهمْ فإنك أنْتَ العَزيزُ الحَكيمُ(118) (المائدة)»

ثم نظر إلى عمر رضي الله عنه وقال: { وإن مَثَلَكَ يا عمر كمَثَلِ نوحٍ قال (رَبِّ لا تَذَرْ على الأرْضِ من الكافِرينَ ديّاراً (26) إنّك إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عبادَكَ ولا يَلِدوا إلاّ فاجِراً كَفَّاراً(27))(نوح) وإن مثلَـك يا عمـر كمَثـَل موسى قال (ربَّنا اطْمِسْ على أمْوالِهِم واشْدُدْ على قُلُوبِهم فلا يؤْمِنوا حتى يَرَوْا العَذَابَ الأليـم (88)(يونس)».

ثم التفت النبي صلى الله عليه و سلم إلى الأسرى وقال: أنتم اليوم عالة.. فلا ينقلبن أحدهم إلا بفداء أو بضرب عنق.

إذاً وافق النبي على تسريح الأسرى بالفداء. ولكن الأمر لم ينته عند هذا إذ

أنزل الله قرآنا يقول (ما كَانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكونَ له أَسْرَى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ، ترِيدونَ عَرَضَ الدُنيا واللهُ يريدُ الآخِرَةَ، والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لولا كتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لمَسَّكُمْ فيما أخذْتُمْ عَذابٌ عظيمٌ (68) فكلوا مِما غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً واتّقُوا الله إنّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69)(الأنفال).

فالله تعالى وإن لم يوافق ذلك الرأي ولكنه لم يبطله بل وافق على تنفيذه بقوله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا. وأمـا الكتاب الذي سبق فقال البعض هو عدم انطباق النص على ما سبقه من أحداث، وقال آخرون إنه وفقا لما بشر به النبي من العفو عن رجال بدر. وقيلتْ آراء أخرى.

ونرى أن الكتاب الذي سبق هو ما نوَّه عنه الحديث الشريف المُتَّفَقِ عليه – واللفظ للبخاري – عن عمرو بن العاص أن النبي قال (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد).