أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى. منذ خمسة وسبعين عاما أو نحوها.. كان قسم الفيزياء بجامعة هارفارد المرموقة يضم طالبا أميركيا شديد الفضول من ناحية، بالغ الشغف بهواية التصوير الفوتوغرافي من ناحية أخرى كان اسمه إدوين لاند.. وقد بدأت هوايته التصويرية هذه عندما ظل منذ الطفولة يلاحظ آثار الظلال والطيوف وعلاقتها بالأجسام والأشياء والمرئيات. وبحكم تفوقه في علوم الفيزياء..

وبفضل تفتّح نبوغه في هذا الميدان.. استطاع أن يتوصل إلى ما أصبح يعرف باسم الفلتر الحديث لاستقطاب الضوء.. هذه المصفاة ـ الفلتر أصبح له في زماننا تطبيقات مختلفة ذات استخدامات ومنافع شتى من قبيل النظارات الشمسية وأجهزة إعتام الأضواء المبهرة وما إلى ذلك من الحالات والاستخدامات التي تقضي تخفيف الوهج أو اللمعان أو الإبهار الناجم عن شدة الأضواء.

في عام 1937 بادر الشاب إدوين لاند إلى إنشاء شركة بولارويد التي تخصصت في مجال البصريات.. وعندما أنجب ابنته مع أوائل الأربعينات بلغ حبه لها أن واصل التقاط صور لها في مواقف مختلفة.. وإذ بلغت الابنة سن الثالثة وبدأت تدرك ما حولها.. بادرته يوما بسؤال غاية في البراءة أو السذاجة قائلة:

- لماذا لا أستطيع أن أرى صوري التي ألتقطها الآن؟

عند هذه اللحظة من سيرة المخترع الأميركي يقول مؤرخوه:

- ساعتها.. ذهب إدوين لاند إلى مختبره ليبدع كاميرا مبتكرة.. وفيلما مخصوصا من أجل عيون الساحرة الصغيرة.. ويقدم من ثم اختراعا يشكل إضافة إلى عالم التصوير الفوتوغرافي تقدم به إلى مكتب براءات المخترعات في مدينة كامبردج بولاية ماساتشوستس الأميركية ونال براءته يوم 3/2/1948 تحت عنوان:

- آلة تصوير (كاميرا) تقوم بتحميض (وإنتاج) الفيلم على وجه السرعة.

بعدها أطلق دهاقنة السوق على هذه الآلة العجيبة.. اسم الكاميرا اللحظية وطرحوها في أكبر محلات مدينة بوسطن (العاصمة الثقافية في أميركا كما يسمونها) وكان سعرها في عام 1948 هو 89 دولارا بالتمام والكمال. ويومها انبهر المستهلكون والمصورون ـ المخترعون والهواة بالكاميرا التي تلتقط الصورة ثم لا تلبث أن تقوم بتجهيزها ومن ثم إنتاجها في التو واللحظة.. وبصرف النظر عن سرعة التجهيز أو إلغاء مشاوير أو جهود الانتقال إلى معامل التحميض..

وغرفاتها المظلمة وإنفاق ساعات في انتظار الصور الناتجة ـ فلا شك أن كاميرا البولارويد كانت تحدث أثرا سيكولوجيا إيجابيا للغاية وخاصة في الاجتماعات العائلية، دع عنك اللقاءات ذات الطابع الحميم ـ الرومانسي كما قد نسميه ـ حيث يسعد المجتمعون بأن الكاميرا شاركتهم لحظات الصحبة ولمّ الشمل.. واستطاعت أن تسجل بغير توان ما اعترى ملامحهم وأساريرهم من أمارات الفرح وعلامات الابتهاج.

لهذا لم تكد تمضي 8 سنوات على نزول البولارويد إلى السوق حتى كان قد بيع منها ما يزيد على مليون وحدة، رغم أن الصور المنتجة وقتها كانت من نوع الأبيض والأسود وهو ما جعل الباب مفتوحا لإضافات وتطويرات عديدة ومتنوعة لتحسين وترقية هذا الاختراع الجديد.. سواء بتصغير حجم جهاز التصوير المستخدم أو بتخفيض سعره. (مخترع آخر اسمه سوينغر ابتكر كاميرا أصغر حجما وأقل ثمنا لدرجة أن كانت تباع بأقل من 20 دولارا).

ثم دخلت إلى سوق المنافسة شركة كوداك الشهيرة التي طرحت كاميرا من مصانعها للتصوير اللحظي ولكن لا يمكن استخدامها إلا بفيلم تحتكر الشركة دون غيرها إنتاجه. بعدها ثارت معركة قضائية اشتعلت منذ أواخر السبعينات وظلت متأججة إلى أن حسمت لصالح إدوين لاند ومؤسسته في عام 1991 وحكم القضاء بأن يتلقى لاند وجماعته تعويضا بمبلغ جسيم في تلك الفترة وهو 925 مليون دولار.. وربما لم يقدر لمخترع البولارويد أن ينعم طويلا بهذا التعويض الطائل.. في نفس السنة 1991.. رحل إدوين لاند إلى العالم الآخر تاركا تراثا نافعا، لا في مجال إسعاد الناس وحسب..

ولكن في مجال الاستخدامات العلمية الأخرى للتصوير اللحظي الذي لا يستغرق سوى بضع دقائق من وقت الطالبين.. في مجالات واستخدامات من قبيل صور جوازات السفر وبطاقات ومستندات الهوية.. ولقطات تصوير الحوادث فور وقوعها لتحديد مواقف الأطراف وخاصة لأغراض شركات التأمين. وعندما دخل العالم عصر التكنولوجيا الرقمية نال هذا المجال من التصوير اللحظي بركات هذه التكنولوجيا الديجيتال فأصبحت الصور ذات الاستخدام الرسمي تجمع في آن معا بين الدقة وسرعة التجهيز.

البوليغراف يكشف الكذب

جهاز يرجع الفضل الأساسي فيه إلى نفس الجامعة التي ألمحنا إليها في الجزء الأول من هذا الحديث ـ ولكن مع التبكير قليلا بالتواريخ. والحاصل أن الجامعة المذكورة ـ هارفارد كانت تضم كذلك طالبا مجتهدا ومبتكرا ولكن في قسم العلوم السيكولوجية هذه المرة..

وكان ذلك في عام 1913 وكان اسم الطالب هو ويليام مولتون مارستون ـ يحاول أن يتخصص ضمن مجالات علم النفس في عمليات كشف الكذب بمعنى محاولة الغرز أو التمييز ـ العلمي طبعا ـ بين ما يصدق فيه الإنسان ـ الحالة وبين ما يمكن أن يزيفه أو يدعيه. ومن الطريف أن حارت البرية على مدار القرون في كشف الكذب الذي قد يلجأ إليه البشر في هذا الموقف أو ذاك.. ولدرجة أن أصبحت عمليات كشف الكذاب جزءا من الأعراف الشعبية عند كثير من الشعوب.

في مناطق من غرب أفريقيا تجتمع القبيلة ويرتبون لجلوس المتهمين بارتكاب جريمة ما وسط دائرة. ثم يأمرون المتهمين بأن يمرروا فيما بينهم بيضة طائر.. ومن تنكسر منه البيضة.. يعدونه ـ أو يعدونها الجاني الحقيقي وهم يبررون ذلك بأن الفاعل الأصلي عادة ما يكون في حالة من التوتر الانفعالي لدرجة أن يفقد قدراته على التوازن فإذا بالبيضة تنكسر والمستور ينكشف أو هكذا يتصورون.

في الصين القديمة كانوا يضعون في فم المتهم حفنة من الأرز خلال سماعه ـ أقوال الإدعاء ـ ولما كانوا يعتقدون أن انفعال الجاني يؤدي إلى جفاف ريقه وتوقف العمل في غدده اللعابية.. كانوا يعتبرون الشخص جانيا إذا ما اكتشفوا أن حفنة الأرز ظلت جافة دون أن يخالطها اللعاب. في بوادي العرب ما زالت بعض المجتمعات تمارس عادة البشعة (بكسر الباء وسكون الشين) وهي طاسة محمية في النار يفرضون على المتهمين أن يلعقوها بألسنتهم بحيث لن تصيب بالحروق الجسيمة سوى لسان الجاني الحقيقي.

في ضوء هذه العوائد المشوبة بالأوهام ظل ويليام مورتون يمارس تجاربه وبحوثه بشأن التوصل إلى جهاز يستخدم علميا في كشف الكذب واقترح مقياس ضغط دم الحالة المطلوب اختبارها كوسيلة من الوسائل المستخدمة في هذا المجال، وأصدر في هذا السياق كتابه بعنوان اختبار كشف الكذاب في عام 1917 .

وقصارى الأمر أن مهّد هذا الباحث الأميركي السبيل إلى باحثين آخرين كان من بينهم الدكتور جون لارسون من جامعة كاليفورنيا الذي يقال أنه كان أول من مارس التطبيق العملي ـــ الميداني للجهاز الذي اخترعه بحيث يسجل ما يعتري الشخص المفحوص من تغيرات في قراءتي ضغط الدم ومن ارتعاشات أو تقلصات.. عصبية تصيب بشرة الإنسان مع ما يصاحبها من إفرازات العرق الذي يرشح على سطح الجلد.. الخ..

خلال عملية طرح الأسئلة المتتابعة التي تصمم بأسلوب أقرب إلى وضع الشخص الخاضع للفحص بين تلافيف مصيدة أو متاهة في محاولة لرصد استجاباته إزاء هذا الموقف أو ذاك. والمهم أن الدكتور لارسون استخدم جهازه في التعامل مع متهمين كانت تقوم باستجوابهم إدارة الشرطة في ولاية كاليفورنيا بالغرب الأميركي، وبديهي أن جهاز كشف الكذب (البوليغراف) يستخدم حاليا إمكانات الحاسوب الإلكتروني للحصول على الإجابات ورصد الاستجابات. وفي كل حال فالاسم العلمي التفصيلي لهذا الجهاز يختصرونه في كلمة بي. دي. دي. التي تشير إلى الناحيتين النفسانية والجسمانية وتفصيلها هو.. الكشف السيكو ـ فسيولوجي للخداع أو (التضليل).

ورغم أن دوائر إنفاذ القوانين (الشرطة وما في حكمها) تستخدم هذه الطرق وخاصة في الولايات المتحدة ـــ وفي بلاد أخرى مثل كندا (رغم تحفظ محكمتها العليا) وفي بعض ولايات استراليا، ورغم أن الجهاز أثبت فعالية معينة ولا سيما في كشف قضايا التجسس .

وفي بعض قضايا الاعتداءات الجنسية ـــ إلا أن دوائر وأوساطا شتى ما برحت تشكك في فعالية هذه الأجهزة وتدلل على أن كثيرا من المجرمين الحقيقيين استطاعوا – بتدريب خاص ـــ أن يجتازوا اختباراتها بنجاح ـــ الأمر الذي حدا بعدد من ولايات أميركا نفسها (ماريلاند وماساتشوتس مثلا) إلى اعتبار استخدام أجهزة كشف الكذب إجراء يفتقر إلى صحيح القانون.

محمد الخولي