* «يا أيها الذين آمنوا» «يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. والكافرون هم الظالمون» (البقرة: 254)
دعا الله عباده المؤمنين إلى انتهاز الفرصة بالإنفاق من رزقه الذي أعطاهم إياه قبل فوات الأوان بالموت، لأن المرء إذا مات انقطع عمله، ودخل في الحياة الآخرة، حيث لا ينفع المرء يومئذ بيع، إذ لا يملك شيئاً حتى يبيعه، ولا يوجد من يشتري، كما لا تنفعه شفاعة أحد، إذ لا شفاعة إلا بعد إذن الله تعالى للشافع ورضاه عن المشفوع له، فتنقطع الأسباب كلها، إلا الأسباب المتعلقة بطاعة الله والإيمان به. لهذا كان على المسلم ان يجيب داعي الإنفاق والبذل لأنه من علامات البر، قال تعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون»، وقد مدح الله المنفقين أموالهم في سبيله وطمأنهم على الأجر فقال: «الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وفي الحديث «السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار.
ولجَاهل سخي أحب إلى الله تعالى من عابد بخيل». فلننظر المفارقة الواضحة التي تبين قيمة البذل في سبيل الله وعاقبة الإمساك وبين مآل البخيل رغم عبادته ومآل السخي رغم جهله ونزقه.إن العطاء والصدقة نبع يجرف بفيض مائه وسيلِه كل أدران وأقذار الحياة فضلاً عن كونه دواء يعالج أدواء الفقر والمساكين والمحتاجين.
بل يعالج أدواء المرضى المنفقين مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم «حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة واستقبلوا أمواج البلاء بالدعاء والتضرع» والواقع مليء بقصص وأمثلة شاهدة على ذلك وتبين أن كثيراً ممن أنفقوا وتصدقوا بنية مداواة المرض شفاهم الله وعافاهم فبرئوا بعد علة.والعطاء في السر بركة للمال وعد بها الرزاق سبحانه: «.. وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين».
ولا يقتصر الإنفاق على المال بل يشمل الإنفاق في سبيل الله أنواعاً عديدة أعلاها: الجود بالنفس، ومنها الجود بالرياسة فيقضي المسلم حاجات الناس على امتهان رياسته، ومنها الجود بالراحة فيتعب لقضاء مصالح الناس، ومنها الجود بالعلم وبذله، ومنها الجود ببسط الوجه وفي الحديث: «لاتحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه»، ومنها الجود بترك ما في أيدي الناس، فلا يلتفت إليه ولا يستشرف له بقلبه ولا يتعرض له بحاله ولا بلسانه،
فلسان حال القدَر يقول للفقير الجواد: وإن لم أعطك ما تجود به على الناس فجُدْ عليهم بزهدك فيما بأيديهم تفضُل عليهم وتزاحمهم في الجود وتنفرد عنهم بالراحة.
وقد أوضح النبي أن ما يبقى من المال بقاء حقيقياً هو ما أنفقته في سبيل الله، فقال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله» قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه، قال: «فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر».
أي أن ما قدمه من صدقة ينتفع به في آخرته وأن ما سيتركه لورثته فهو لهم.
الإنفاق في سبيل الله أحد أسباب سعادة العبد في دينه ودنياه، فمتى ما تلمس حاجة الضعيف فقضاها وتحرى رغبات المحتاج فسدها عندئذ يشعر بالسعادة الغامرة وبأخوة شديدة الأواصر والروابط مع من ساعدهم كما يحس بتقوية صلته بدينه عالماً أنه لن يحرم المرء مثل بخله في الحقوق، ولن يسبق به عند ربه مثل جوده.

