المَنْفى وحالُ الأولاد كان ظُهور محمود سامي باشا البارودي إيذاناً بعهدٍ جديد في حياة الشعر العربيّ، كان رجل إحياء الشعر بعد خُموله زماناً طويلاً.

وقد كان رجلاً عسكريّاً في أصل عمله، وتربيته العمليّة، ثم أَضاف إلى ذلك ثقافة عربيّة غزيرة، واهتماماً بالشعر، وتجديداً فيه، وانخرط في الحياة الإدارية والسياسيّة وشارك في حركة أحمد عرابي المقاومة للاحتلال الإنجليزي التي لم يكتب لها النجاح وكان نصيب البارودي النّفي إلى جزيرة سيلان (الآن سيريلانكا). وطال نَفْيُه نحو 18 عاماًً: بعيداً عن أهله وذويه وأولاده.وفي هذه المدّة مات بع ض أهله وماتت زوجته، وعدد من أَصحابه.. وانعكس ذلك كلّه في شعره. وكان للأولاد نصيبٌ من الذكرى، ومن المُعاناة، وبَثّ أشواقه، وأحزانه في قصائده التي توالت على مَرّ السّنين القاسية.وأول قصيدة قالها بعد مغادرة الوطن إلى المنفى سنة 1882 ذكر فيها حاله، ومحنته، وذكر الأهل والأولاد، مطلعها:

مَحا البينُ ما أبقت

عُيون المَهامنّي

فشبت ولم أقْض

اللُُّبانةَ من سِنّي

ـ قال فيها ذاكراً دموع المُودّعين والمسافرين على ظهر السّفينة:

فكم مهجةٍ من زفرة الوجد في لظى

وكم مُقلةٍ من غزرة الدّمع في دَجْن

وما كنت جرّبتُ النّوى قبل هذه

فلمّا دهتني كدتُ أَقضي من الحُزْنِ!

ـ وذكر بناته، وبعض أَهله:

ولولا بُنيّاتُ وشِيب عواطل

لما قَرعت نفسي على فائت سنّي

ـ وماتت زوجة الشّاعر وهو في منفاه، فَبكاها ورثاها، وذكر أولاده وسوء حالهم: أُمّ توفّيت، وأَبُ أَسير، بعيدٌ في المَنْفى، ومع رثائها وتذكارهم عواطفُ مشبوبة، ولوعة حَرّى، قال:

لا لوعتي تدعُ الفؤاد ولا يدي

تَقوى على رَدّ الحبيب الغادي!

يا دهر فيمَ فجعتني بحليلةٍ

كانت خلاصةَ عُدّتي وعتادي

إن كنتَ لم ترحم ضَناي لبعدها

أفلا رحمتَ من الأسى أولادي؟

أفردتهنّ فلم يَنَمْنَ توجّعاً

قَرْحى العيون رواجِفَ الأكبادِ

ألقين درّ عقودهنّ وصُغْنَ من

درِ الدّموع قلائد الأَجياد

يبكين من وِلهِ فراق حَفِيةٍ

كانت لهنّ كثيرة الإسعاد

فَخُدودهن من الدموع نديّةُ

وقلوبُهنّ من الهموم صَوادى

ـ جمع الشاعر في الأبيات بين حال البنات في حياة الوالدة وبين حالهن بعد وفاتها، ورثى لحالهنّ بعدها. وكان الموقف صعباً على الشاعر في تلك الغُربة. لقد اجتمع عليه: الأسْرُ، والاغتراب، ووفاة بعض الأحبّة، وصعوبة حال الأولاد ـــ وخُصوصاً البنات ـــ بعد فقد الأم الحبيبة.

وفي شعر البارودي رثاء لولدِ مات له، وهو صغير، واسمه عليّ وقال في تلك القصيدة:

كيف طَوتْك المَنْونُ يا ولدي

وكيف أوْدعتك الثرى بيدي

واكبدي يا عليُّ بعدك لو

كانت تبلّ الغليل (واكبدي)

فقدك سَل العظام منيّ

ورَدّ الصبر عني وفتّ في عضدي

كم ليلة فيك لا صباح لها

سهرتُها باكياً بلا مَدَدِ

دمعٌ وسُهْدٌ وأي باصرةٍ

تبقى على المدمعين والسّهَدِ؟

والقصيدة حزينة فيها الكثير ممّا يعبر عن فجيعة الوالد، وسرد معاناته في حال مرض ابنه، والكثير من التوجَع لِفَقدِه، والبكاء عليه:

ثم قال في أَواخر القصيدة:

فاجأني الدّهر فيك من حيثُ لا

أعلمُ خَتْلاً والدّهر كالأسدِ

فليبْك قَلبي عليك فالعَين لا

تبلغ بالدَّمع رتبة الخَلد

فبكاؤه ممزوجٌ من بكاءِ العَيْن، وبكاء القلب وهو أعمق وأَشدّ.

ـ وطبع شعر البارودي في أولاده بهذه الصفات من اللهفة والشوق والوجد والمحبّة، وهذا كله ممزوج بالحزن للبعد والأسر والاغتراب.

أ.د محمد رضوان الداية