أكد د. محمد عمارة أن العالم الآن يعيش عولمة بغيضة تريد أن تصب في كل الشعوب والثقافات والدول في قالب ثقافي واحد. وأضاف «عمارة» والذي يعد أحد رموز ثقافتنا الإسلامية المعاصرة: إن هذا عكس الثقافة الإسلامية، التي هي بالأساس عالمية.
حيث جاء الإسلام لجميع البشر في كل أرجاء الدنيا فهي ثقافة تدعو إلى التنوع، فالتنوع والاختلاف سنة إلهية يحترمها الإسلام فهناك تنوع الشعوب والقبائل وتنوع اللغات والقدميات والثقافات والحضارات والإسلام يأمر أتباعه باحترام ذلك، واحتواء هذا الاختلاف والاستفادة منه في تقدم ورقي الشعوب.وقال: إننا كمسلمين نحتاج إلى التوحد في ظل عالم متقدم ويكون أشبه «بالكومنولث الإسلامي» تكون فيه كل دار الإسلام وطن للمسلمين. * كثر الحديث الآن عن عصر العولمة في مقابل عالمية الإسلام.. فما هو مفهومكم لهذه المضامين؟ ــ لكي يمكن توضيح مفهوم عالمية الإسلام في مواجهة ما يسميه الغرب وأميركا بالعولمة فيجب مراعاة عدة نقاط أهمها: تحديد الهوية الإسلامية، لأنها هي الثوابت الجوهرية العامة في شخصية الأمة وعقيدتها وثقافتها.
ويجب أيضا التمييز بين العالمية الإسلامية وبين العولمة ذات الأصول الغربية ــ فالإسلام دين عالمي وحضارة عالمية ولم يقتصر الإسلام على شعب بعينه أو أمة بعينها.. وإنما جاء إلى الناس كافة وأرسل محمدا صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأمم، ومن هنا تنبع عالمية الإسلام، الذي يختلف عن الديانات ــ الأخرى كالمسيحية واليهودية ــ لكننا نجد أن التنوع والاختلاف سنة إلهية يحترمها الإسلام فهناك تنوع في الشعوب والقبائل وتنوع في اللغات والقوميات وتنوع في الشرائع والملل وتنوع في المناهج والثقافات والحضارات. والإسلام يحتوي على كل هذه الاختلافات وإلا ما توحد تحت رايته المسلمون في أفغانستان وإيران والصين والبوسنة وتركيا والشعوب العربية في آسيا وإفريقيا فالبرغم من تعدد اللغات وآلاف اللهجات يجمع هؤلاء هوية ثقافية واحدة هي الهوية الإسلامية.
ضد التنوع
* إذا كانت هذه هي العولمة الإسلامية.. فما هو مفهوم العولمة ورؤيتك لها؟
ــ العولمة مصطلح كئيب يطل بشروره على دول العالم المغلوبة على أمرها لتنصهر في بوتقة واحدة مع الدول المتقدمة.
وهذه العولمة ضد التنوع لأنها تريد صب العالم كله في القالب الغربي الأميركي سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو التجارية أو الاجتماعية.. وتهدف في المقام الأول أن تكون وجبات الطعام في سريلانكا والجزائر وجنوب إفريقيا والسعودية والهند واحدة هي الهامبورجر، وأن يرتدي سكان العالم البنطلونات الچينز وأميركا على وجه الخصوص تريد فرض منظومة من القيم الغربية على العالم من خلال مواثيق العولمة تحت مظلة الأمم المتحدة..
وتحاول هذه العولمة بشتى الطرق فرض انتصار السوق والليبرالية الرأسمالية على العالم وإزالة الحواجز الجمركية، التي تحمي الصناعات والتجارة الوطنية والقطرية، وفي مقابل ذلك تعمل هذه العولمة على تهميش المنظمات الدولية الأخرى بفرض قوانينها وتشريعاتها على العالم أجمع بل تتعدى ذلك إلى فرض عولمة عسكرية عندما تشرع في التدخل العسكري في بلاد الآخرين.
كما حدث أمام أعيننا في التحالف الدولي ضد الإرهاب، الذي دعت إليه أميركا وانضم إليه العديد من الدول الغربية لضرب دولة أفغانستان المسلمة، إذن فالفارق كبير بين عالمية الإسلام وعولمة الغرب فعالمية الإسلام تحترم تعدد الثقافات والدول والقوميات والحضارات ومنظومات القيم وعولمة الغرب تجتاح العالم لتصبه في قالب غربي أمريكي.
معاداة الإسلام
* وهل اختلاف مفهوم عالمية الإسلام عن عولمة الغرب هو الذي أفرز حالة العداء الشديدة من جانب الغرب ضد الإسلام؟
ــ معاداة الإسلام مسألة قديمة ولم تكن وليدة اليوم فقد بدأت هذه المعاداة بسلسلة من الحروب الصليبية وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي بدأ الغرب في الحديث عن الإسلام كعدو قادم وتوهموا خطأ هذا الشعور، لأن الإسلام وعالميته لا يعادي الأديان الأخرى أو الثقافات أو حتى الأفراد في الشرق أو الغرب، لأنه يتيح مساحة من الحرية في العقيدة والحرية الشخصية ودائماً ما يدعو الإسلام إلى السلام ويمد يده إلى كل البشرية .
وفي مقابل سماحة الإسلام هذه نجد الغرب يعلنون عن حقد دفين للإسلام، لأنهم يخشون من انتشاره داخل بلدانهم ويتوجسون خيفة من ذلك برغم أن حال المسلمين في ضعف، وهذا دليل على أن الحضارة الغربية بدأت في الانهيار وأن الإسلام يشهد صحوة ويقظة ممثلة في مشروع حضاري قادر على الإحياء وتحرير الأوطان والاقتصاديات.
* ولكن الغرب يربط الآن بين الإسلام والتطرف والإرهاب وهذا ما تبثه قنواتهم الفضائية وكتاباتهم، فكيف نصحح رؤية الغرب عن الإسلام؟
ــ يجب التميز في هذا بين ثلاث شرائح من الغرب، الإنسان الغربي وهو ضحية لكتب مدرسية وإعلام يشوه الإسلام، ورغم ما يتعرض له الإسلام والمسلمون يفتح صدره وقلبه للإسلام، وهو ما يدلل عليه من انتشار الإسلام في أوروبا بصورة كبيرة ومن ثم فليس بيننا وبين الإنسان الغربي مشكلة.
وكذلك أعتقد أنه ليس بيننا وبين العالم الغربي مشكلة لكن مشكلتنا كمسلمين تكمن في المشروع الغربي الذي يحاول أن ينفي المشروع العربي الإسلامي ومن ثم فإنه عند الحديث عن الإسلام في علاقته مع الغرب نفرق بين الإنسان والعلم والمشروع، والمطلوب من المسلمين أن يفرضوا على الغرب الصورة الحقيقية للإسلام، التي تظهر سماحته وقبوله لكل ما لا يتعارض مع منهج الله حتى ولو كان من الغرب.
ولكن مشكلتنا الحالية هي في بعض المسلمين الذين لا يفهمون الإسلام فهما دقيقا يسيئون للإسلام من خلال تصرفاتهم مع الآخرين ومن ثم يأخذ الغرب انطباعاً سيئاً عن الإسلام ويشغلونه في مشروعهم الغربي المعادي للإسلام ويسيئون إلى الإسلام ويصفون المسلمين بالإرهاب والخروج من هذه المشكلة يكون عرض صورة الإسلام المستنير المبني على أصوله من القرآن والسنة من دون تحريف أو إعوجاج، ومن ثم فإن الإسلام بهذا المعني صالح لكل زمان ومكان ويتعامل مع الجميع من دون تفرقة بسبب لون أو لغة.
التوحد
* في تصوركم ما هو الطريق لقيام الدولة الإسلامية بعد أن حققت أوروبا حلمها في التوحد في الدولة الأوروبية؟
ــ إذا فهمنا إطار الحضارة الإسلامية فهماً حقيقياً سنجده أشبه ما يكون بالإطار الجامع لكل المسلمين وفق الانتماء للدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والإطار الذي نريده في مستقبلنا هو رابطة الشعوب الإسلامية كومنولث إسلامي ومؤتمر إسلامي حقيقي وهذا هو الشكل المعاصر والمستقبلي، الذي تتحقق فيه وحدة دار الإسلام بمعني أن تكون كل دار الإسلام هي وطن للمسلم، فإذا عاش في المغرب تطبق عليه القوانين السائدة في المغرب.
وإذا عاش في الكويت تطبق عليه قوانينها، وهذه الوحدة تحقق وحدة الدار ووحدة الأمة ووحدة الحضارة التي تنبع أساسا من وحدة العقيدة، أما فكرة الدولة الواحدة ذات الرئيس الواحد والحكومة الواحدة، فهو شكل غير علمي وهناك عقبات كثيرة لتحقيق ذلك منها التشرذم والتجزئة القطرية والخلافات القومية عند هؤلاء أصحاب المفهوم الغربي للقومية والتبعية للغرب.. وكلها تحول دون تحقيق هذا المشروع.
* ما هي رؤيتكم للعالم الإسلامي في الوقت الحالي والتحديات التي تواجهه؟
ــ أوضاع العالم الإسلامي الآن معقدة ومتنوعة وواقعنا الإسلامي محاصر ودعوتنا الإسلامية تحارب ولو نظرنا إلى أغلب النظم الحاكمة في أنحاء العالم الإسلامي سنجدها مشدودة برباط التبعية للغير هذه التبعية تبطئ من خطوات الأمة وتبدد إمكانياتها.
وإذا نظرنا إلى الجماهير العريضة في العالم الإسلامي ووجدناها مشغولة بالضروريات اليومية والاهتمامات الزائفة، التي تبعدها من عظائم الأمور والأقدار وكبار المشكلات والهموم والتحديات وفي خضم ذلك يمكن رصد تيارات وفصائل للصحوة الإسلامية سواء في الإطار الوطني أو الفكري ولا يبقي لنا إلا أن تستقرئ الماضي ونتعرف كيف دانت الأرض للمستضعفين في الأرض وكيف غيروا وجه الدنيا وحققوا لأنفسهم عزة هي عزة الله ورسوله أما عن التحديات التي تواجهنا.
فإنني أري أن المسلمين ليسوا متخلفين على مواجهة هذه التحديات فقد ظهر تعاطف الأمة في الأحداث الدامية في فلسطين وأفغانستان والشيشان والعراق، الأمر الذي جعل القوى الكبرى تضع خطوطا حمراء أمامنا لكي لا ننهض بواجباتنا في هذه الآونة ونحن ندعو إلى جبهة لإقامة الوطن العربي المستقل.


