تحولت جراحة التجميل أو «الترميم» التي بدأت من الهند قبل ألفي سنة قبل الميلاد بترميم الأنف بعد قطعه تماما، وبعد التطورات المختلفة التي تشهدها دول العالم إلى صناعة بمفهومها المعاصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى من تغيير كامل في الشكل والمظهر والملامح بحثا عن الجمال والتقليد الأعمى لأحد المشاهير، حيث باتت عيادات التجميل ملاذا للصغير والكبير يلجأون إليها عند الحاجة أو بدونها، وهو أمر قد يفتح شهية الطبيب لاستغلال المريض باستخراج العيوب إن وجدت وان لم توجد من أجل الربح المادي فقط.

التقينا الدكتور قاسم أهلي رئيس قسم جراحة التجميل في مستشفى راشد بدبي و أخصائي تجميل في عيادة خاصة للتعرف على الدواعي التي جعلت عمليات التجميل والترميم تشكل هاجسا لأفراد المجتمع في العالم على وجه العموم والدول العربية بشكل خاص، ودور الأطباء في تقديم النصح والإرشاد للحالات التي لا يعيبها شيء وغيرها من الأمور نكشف عنها في الحوار التالي...* نود التعرف على دوافعك لاختيار تخصص جراحة التجميل؟ - دراسة التجميل كانت الاختيار الأول بالنسبة لي لما لها من أهمية في المجتمع بحيث تشمل كل الفئات صغارا كانوا أم كبارا، إضافة إلى أن هذه الدراسة تجمع بين دراسة الجراحة وجزء من الباطنية وتتطلب القوة وتحمل الضغوطات النفسية التي يتعرض لها الطبيب من قبل المريض قبل وبعد إجراء العملية.

إضافة إلى أن عمليات التجميل نوعان، الأول تجميلي بحت وهو رغبة الشخص في تغيير شكله الطبيعي لإرضاء ذاته كتغيير في شكل الأنف والوجه والجفون وكافة أنحاء الجسم وهو لا يسمح به في المستشفى، أما الثاني وهو الترميم الذي ينتج من تعرض جسم الإنسان لحالات مفاجئة كالحوادث بأنواعها والحروق والعديد من التشوهات الخلقية للفرد وعلاج القرح المزمنة وهي ما تستقبلها مستشفياتنا لأن التجميل من خلالها يكون بغرض إنقاذ المريض من دوامة التعاسة.

الشد والشفط

* إلى أي مدى ترى هذا التخصص مهما في مجتمعاتنا العربية، وأيهما أكثر إقبالا الرجل أم المرأة؟..

- بدأت الطفرة في عمليات التجميل تظهر منذ العشر سنوات الأخيرة والتي باتت تشكل هاجسا كبيرا عند أفراد المجتمع وخاصة السيدات لما تشهده الدولة من انفتاح كبير من الخارج وخلال الخمس سنوات الأخيرة وصلت نسبة السيدات الراغبات في عمليات التجميل بالدولة الى80% والرجال 20 %، ويرجع ذلك الى عامل المظهر الذي اختلف مفهومه عن السابق .

حيث كان الناس مشغولين بهمومهم اليومية في الحياة إلى أن أصبح أحد أهم الوسائل سواء أثناء عملية التوظيف التي تعتمد أغلبية المؤسسات والجهات المختلفة على اختيار الفرد بناء على مظهره الخارجي بالدرجة الأولى، أو بمدى تقبل الآخرين له إضافة إلى أن الفتيات يشكلن النسبة الأكبر من هذه العمليات بدافع التنافس مع الأخرى أو الغيرة.

* ما أكثر عمليات التجميل في مجتمعنا المحلي انتشارا؟

- أكثر عمليات التجميل التي تطلبها السيدات في وقتنا الحالي هي شد البطن وشفط الدهون إلى جانب حقن البوتوكس والفلرز المنتشرة في كافة عيادات التجميل، وفيما يتعلق بالرجال فان رغبتهم في التجميل تكمن من خلال تصغير الأنف في حال وجود عظمة بارزة له، تليها عمليات شفط الدهون.

* ما السلبيات التي تجدها في جراحة التجميل؟

- هناك سلبيات نجدها عند المريض أهمها غياب الثقة بالنفس والشعور بالنقص ورغبته في تغيير شكله بصورة مستمرة وعدم رضاه عن نفسه مما تكون النتيجة في النهاية عكسية عليه من تكرار هذه العمليات، إضافة إلى وجود سلبية أخرى تنتج من المجتمع الذي أصبح ينظر إلى الشخص على شكله الخارجي ومظهره فقط دون الاكتراث لذاته مما يعكس ذلك صورة سلبية على الشخص نفسه.

فيما تظهر سلبية خطيرة عند طبيب التجميل وهي عملية استغلال المريض أسوأ استغلال من خلال طرح السلبيات المختلفة في شكله الخارجي بضرورة إجراء تحسينات عليها حتى وان لم تكن هذه ظاهرة أو ليس لها تأثير نفسي كبير على المريض لأن هدفهم في الأساس الربح المادي فقط وهذا أمر يعتبر أحد أهم السلبيات التي تواجه مهنتنا في التجميل.

التجميل والدين

*إلى أي مدى يلعب الوازع الديني دورا لديكم في مواجهة الراغبين في إجراء عمليات التجميل؟

- لا شك أن عمليات التجميل الترميمية التي تنتج من إصابات خارجية لا تتعارض مع توجهات الدين الإسلامي إلى جانب حالات التشوهات الطبيعية ذات التأثير النفسي السلبي على صاحبها فلا مانع من إجرائها إضافة إلى أن هناك العديد من النساء بعد مرحلة الولادة تصاب بترهل كبير في منطقة البطن فتكون معرضة بالدخول بمشاكل مع الزوج وأحيانا يصل الأمر إلى حد الطلاق فتضطر إلى اللجوء لعملية شد البطن منعا لحدوث مشاكل فهذه الأمور لا تعتبر محرمة في ديننا لأنها تساعد على تقليل المشاكل سواء المجتمعية أو العائلية والحد من سلبياتها النفسية وإخراج المريض من دوامة التعاسة، أما العمليات التجميلية البحتة فهي حرام لأنها تهدف إلى إحداث تغيير في الشكل ولا يتم إجراؤها إلا في العيادات الخاصة.

* تمتلك عيادة خاصة وتجري فيها عمليات تجميلية بحتة.. ما الأسباب التي تدفعكم إليها على الرغم من معارضتها للدين الإسلامي؟

- الطبيب الجيد من الضروري أن يكون له دور كبير خاصة أثناء عمله في عيادته الخاصة من خلال الصدق أثناء التحاور مع المريض قبل إجراء عملية التجميل ورفضه التام في حال عدم إيجاده لدواعي هذه العملية والتخلي عن التفكير بالمردود المادي فمثلا هناك حالات أرفض إجراءها تماما منها لجوء فتيات بعمر 19 إلى 22 سنة للعيادة يردن تغيير أنفهن وإملاء الوجه بحقن مختلفة للتشبه بإحدى المطربات أو الممثلات.

وحالات أخرى لفتيات نحيلات إلا أنهن يرغبن بشد منطقة البطن بصورة أكبر حتى يتشبهن بلعبة «الباربي» على حد قولهن فهذه الحالات مرفوضة بالنسبة لي أما الحالات التي بالفعل تحتاج إلى شد وشفط وتعديل في الأنف وغيرها في الوجه فلا مانع من إجرائها.

صعوبات المهنة

* ما أبرز الصعوبات التي واجهتك كطبيب تجميل قبل وبعد إجراء عملية التجميل؟

قبل إجراء العملية يأتي دوري كمرشد من خلال منح المريض معلومات كاملة عن ايجابيات وسلبيات العملية التجميلية حيث نواجه بعدها صعوبة حول مدى استيعابه للمعلومات والتي لا تزيد على 20% فقط، ونضطر للإعادة مرات متتالية، وبعد إجراء العملية يأتي الكابوس الحقيقي الذي يصيبنا كأطباء تجميل بعد انتهاء العملية لدخول الحالة في أية مضاعفات سواء التهابات في الجرح أو تجمع ماء مكان العملية أو حدوث نزيف داخلي تحت الجلد أوندبات كبيرة.

إضافة إلى الصعوبة التي تواجهنا من المريض بعد العملية وهو عدم تفهمه النتيجة النهائية والتي تتطلب منه قرابة ستة أشهر حتى يتقبل شكله النهائي مما يدفعه باستمرار متواصل للتردد على الطبيب لمعرفة الحالة التي سيصل إليها وهو أمر يعيش من خلاله الطبيب في قلق مستمر.

* هل من انعكاس نفسي سلبي على الإنسان الذي تفشل عملية تجميله،وهل يجد علم النفس سبيلا إلى ذلك؟

- عدم نجاح العملية سيتأثر بها كافة الجهات أولها الطبيب حيث ستنتشر السمعة السيئة له بين أفراد المجتمع ولا يجد الإقبال على عمله، أما المريض فسيتعب نفسيا ويتم تردده على المستشفى بصورة أكثر من اللازم وهنا دورنا كأطباء تجميل دارسين فروعا مختلفة في علم النفس نستخدمها في حال وقوع المريض في حالات الاكتئاب والضرر النفسي وان لم نتمكن من المعالجة يتم إرجاؤه إلى طبيب نفسي مختص.

* هل من مواقف طريفة تذكرها خلال عملك في جراحة التجميل؟

- من أغرب الطرائف التي صادفتني وهي أثناء إجرائي لعملية ترميم في المستشفى لشخص من الجنسية الأفغانية والتي نتجت إصابته عن طريق مشاجرة مع صديقه بسبب مبلغ عشرين درهما فوصلت إلى درجة فقدان الآخر السيطرة فقطع الشفة السفلى لصديقه بالكامل بطريقه جائرة وعميقة للغاية أدت بنا لعمل ترميم كامل للشفة السفلية.

* لديك أولاد.. هل تنصحهم للاتجاه لدراسة طب التجميل؟

- سأعمل في البداية على إرشادهم ونصحهم بالتأكد من مدى حبهم للطب والذي ينبغي أن تصل رغبتهم لهذه الدراسة 100% لأنها تحتاج لسنوات عمر طويلة يقضونها في الدراسة والاطلاع ونفسية مهيأة للتعامل مع الحالات المرضية المختلفة،والتمتع بالاستقلالية الذاتية حيث يتطلب من دارس الطب أن يكون منعزل بشكل كبير عن أهله وأصدقائه ومجتمعه خاصة أنني لم أعش سنوات شبابي بالشكل الطبيعي كما يعيشها أي شاب كان في سني، إلا أنه في المقابل منحني الثقة والاعتزاز بالنفس.

* لرمضان مذاقه الخاص فكيف ترى طقوسك فيه؟

- نتوقف تماما عن اجراء عمليات تجميل وهي ما تسمى بالجراحات الباردة أي التي ليس لها داعٍ حيث أن الشخص نفسه يتجنب التردد على عيادات التجميل ويتم استقبال الحالات الحرجة والطارئة فقط، كما أن عدد ساعات العمل تقل فتصل إلى 6 ساعات، كما أنني أحرص في المنزل على فتح حوارات مع أبنائي خلال هذه الشهر وألتزم ما بين صلاة المغرب والعشاء بتنظيم جلسة لهم لسرد قصص الأنبياء.

منال خالد -تصوير: خالد نوفل