ونحن في الثلث الأخير من هذا الشهر الفضيل الذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ومن هنا يكون الشهر كله خيراً وبركة، والأغلب أن الرحمة للمحسنين المتقين فطوبى لكل محسن ومتقٍ قال تعالى: «إن رحمة الله قريب من المحسنين» سورة الأعراف ـــ الآية 56 وقال تعالى:

«ورحمتي وسعت كل شيء، فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة» سورة الأعراف ــ الآية 156. ونلاحظ في الآية الكريمة هذه أن إيتاء الزكاة عطف على الذين يتقون فإذن شأنها عظيم عند الله. وكيف لا تكون هذه الزكاة التي تميز بها ديننا الحنيف وهي دعامة من دعائم البر والتكافل وقوام المجتمع الفاضل وقد أصاب من ربط زكاة ماله في هذا الشهر يخرجها فيه، وكثيرون هم الذين يفعلون ذلك.وإذا كانت الزكاة ركناً من أركان الإسلام فقد حث الإسلام ورغب في غيرها من الصدقات والنفقات ويلاحظ ذلك بربط الإنفاق في القرآن بالإيمان. انظر ـــ يا رعاك الله ـــ ثالث آية في أول سورة نزلت بالمدينة وهي سورة البقرة «الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون».

وفي هذه السورة الكريمة وحدها حشد من آيات الحث على الإنفاق من هذه الآيات، آية تؤكد لنا أن هذا الإنفاق هو أيضاً من دعائم البر. قال تعالى: «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب.

ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون» سورة البقرة ـــ الآية 177.

وفي السورة الكريمة نفسها، سورة البقرة نجد الآية 254 تدعو إلى الإنفاق والعجيب أن الآية التي تليها هي ما توصف بأنها أعظم آية في كتاب الله وهي آية الكرسي «الله لا إله إلا هو الحي القيوم..» الآية 255.

وبعدها آية «لا إكراه في الدين» والتي تنفي دعاوى الذين يقولون إن الإسلام أكره الناس على الدخول فيه بالسيف، ثم تتوالى في سورة البقرة الآيات التي تتحدث عن الإنفاق وتحث عليه من الآية 261 إلى الآية 271 (إحدى عشرة آية متتالية)، هذا عدا الآيات المنبثة في العديد من سور الكتاب الكريم.

وفي طوايا هذه الآيات الكريمة توضيح الأجر المضاعف للمتصدقين، وإرشاد إلى أن هذا الإنفاق ينبغي أن يكون من طيبات ما رزقنا، لا كما تعود بعض الناس بالتصدق بالأشياء غير الصالحة لديهم من ملابس قديمة بالية، ينبغي أن يكون الإنفاق والتصدق من أفضل ما قد نرغب في امتلاكه، فهذا هو التصدق والإنفاق الإيماني الذي نثاب عليه ثواباً مضاعفاً من العلي الكريم.

ويحذر القرآن الكريم من أن يتبع المنفق إنفاقه مناً أو أذى، وألا يكون رئاء الناس كأن يكون بغرض الدعاية والترويج لأعمالنا التجارية مثلاً أو من أجل الثناء والصيت الحسن، والمن والأذى ورئاء الناس يبطل أجر هذه الصدقات.

لا خير في إنفاق أو صدقات لا تكون لوجه الله وابتغاء مرضاته ويلاحظ ـــ تأكيداً للابتعاد عن المن والأذى ـــ تكرار هذا التحذير لأكثر من مرة، ففي الآية 262 «الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» وتأتي بعدها الآية 263:

«قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى» ونمضي إلى الآية 264 «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق أمواله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر»، ثلاث مرات يرد هذا التحذير وفي آيات متتاليات نعوذ بالله من صدقات يتبعها من أو أذى.

وما أدراك ما المن والأذى! هو أن تتصدق على زيد من الناس ثم تأتي وتمتن عليه بما قدمت له بالأساليب التي نعايشها من هؤلاء المنانين المجرحين، كأن يقول أحدهم للمتصدق عليه «يا هذا، لولا تصدقي عليك أكنت ستتمكن من فعل كذا.. وكذا» أو يؤذيه بالسب والتنابز بذكر تصدقه عليه وأمام ملأ من الناس، وكثيرة هي أساليب المن والأذى والمفاخرة بما ينفقون وما غير ذلك.

إن الإنفاق والصدقات يا باغي الخير يجعله ربنا سبحانه دليل الصدق في الإيمان والتقوى، اقرأ معي قوله تعالى: «الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم» سورة الأنفال ـــ الآيتان 3 ـــ 4.

وقبل الآيتين هاتين الآية 2 من السورة نفسها تصف المؤمنين بأنهم «الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» هم الذين يخافون الله، ومن خاف الله صدق إيمانه، وصادق الإيمان لا يمكن أن يكون مؤذياً أو مناناً.

يقول الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الأسبق رحمه الله: «وإذا قلبنا صفحات القرآن لم نجده أطلق عنوان العقبة التي تحول بين الإنسان وسعادته على شيء سوى إطعام الفقير والمسكين قال تعالى:

«فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة، فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، أو مسكيناً ذا متربة ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة.

أولئك أصحاب الميمنة» سورة البلد ـــ الآيات من 11 ـــ 18 كما أنه لم يجعل عدم التحريض على شيء من التكاليف علامة على التكذيب بيوم البعث والجزاء وعلامة على عدم الصدق في الصلاة وإقامتها سوى إطعام المسكين.

أي أن هذا السلب لا يحوله إلى إيجاب غير الحض على إطعام المسكين. قال تعالى: «أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين، فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون» سورة الماعون.

فإذا كان هذا هو الإنفاق، وهذا شأنه في القرآن الكريم أفلا نقتحم العقبة، لنساعد المحتاجين من الفقراء والمساكين والغارمين «المدينين» الذين أثقلتهم الديون وأذلتهم وأهمتهم ولا يستطيعون سدادها لأنهم ذوو عسرة، وكذلك اليتامى من ذوي القربى وغير ذوي القربى، ألا نجعل ذلك سبيلاً لقوة الإيمان وبعداً عن الذين هم عن صلاتهم ساهون.

وهذا يا أخي الكريم شهر الرحمة فاغتنمها ولا تجعلها تفلت منك وأنت في الثلث الأخير منه فسارع إلى مغفرة من ربك واقتحم العقبة وجنب نفسك شحها.