قال صاحبي:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها
عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به
ومن حديثك في أعقابها حاد
إذا اشتكت من كلال السير أوعدها
روح القدوم فتحيى عند ميعاد
نعم، كلما تذكر الصائمون والقائمون شهري فإنهم ينشغلون بي عن الطعام والشراب، ويلهون بي عن معافسة الأزواج من الكواعب الأتراب.
وينصرفون إليّ عن التعلق بالأماني العذاب؛ لأنهم يعلمون أنني مدرسة إيمانية، مستوفية المراحل الدراسية، ومكتملة المستويات التعليمية، ينتظم صوامي في صفوفها، ويصيبون من الدروس أعظم صنوفها، ويجنون من حديقتي أنضج قطوفها.
ألقنهم دروس التضحية والفداء، وبذل المهج طاعة لرب الأرض والسماء في زمن أصبحت فيه الهمم كالرمم، والعزائم كالمغارم، والنفوس كاحتساء الكؤوس. وأجلي لهم معاني الصدق.
والإيثار، والوفاء في أروع صورها، وأعمق مدلولاتها مع ضرب الأمثال، من شواهد الحال والمقال: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) «العنكبوت: 43» أعلمهم الانضباط في السلوك، فلا ترى فيه عوجاً ولا أمتا، وحب النظام والجدية في العمل، وأتلو عليهم كل يوم فصولاً مشرقة من آداب الجندية في الإسلام، والالتفاف حول القائد في طاعة، وإخلاص، وولاء.
انظروا إلى صوامي ساعة الإفطار، وقد جلسوا زرافات في التحام ووئام. فإن شق صوت المؤذن عنان السماء، معلنا بدخول وقت الإفطار، ألفيت جموع الصائمين يهرعون إلى بلّ حلوقهم.
والإصابة بما أحل الله من الطيبات، اقتداء وتأسيساً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن قبل كان لا يجرؤ أحد منهم على أكل أو شرب؛ لأنه قد تعلم من درسي مادة التقيد بالنظام والالتزام بمواعيده.
ليبلغ الشاهد منكم الغائب: أنني استهجن الفوضى عملاً أو تطبيقاً، وأستثقلها عند أناس قد ركنوا إلى العجز والتواني، فمن سدر في غيها، ووقع في حمأتها ألجمته بلجام التقويم والتهذيب، وصرخت في وجهه صرخة مدوية يتحدر منها:
إذا ما تمنى المرء إدراك غاية
عليه بإهمال التقاعس والكسل
فلا تبلغ الغايات من غير همة
