رغم أنه كان من المتفوقين في مادة الرياضيات أثناء الدراسة، إلا أن الحسابات التي يقوم بها الآن لا علاقة لها بمواد الحساب والجبر والهندسة التي درسها صغيرا وتبخرت حتى لم يعد عالقا منها بالذاكرة سوى جدول الضرب في أحسن الأحوال.

هذه الحسابات التي تحيره اليوم ويحاول أن يجد لها حلا معقولا تدور حول تلك البيوت التي نشأ هو وأقرانه فيها صغارا والمساحات الكبيرة التي كانت تحتلها في الذاكرة بينما يجدها اليوم صغيرة إلى الدرجة التي لا يمكن أن يتصور كيف كانت تعيش فيها تلك العائلات الكبيرة في زمن كان شمل كل عائلة فيه يلتئم في بيت واحد مهما كان عدد أفرادها قبل أن تنفصم عرى العائلات وتتوزع في بيوت ومناطق متباعدة لا يلتقي أفرادها إلا في المناسبات السعيدة والحزينة لو قُدِّر لهم أن يلتقوا.

يستحضر الصورة المطبوعة في الذاكرة لفريج (الضغاية) فيتذكر تلك البيوت التي لم تكن مساحة الواحد منها تتجاوز مساحة استوديو أو شقة صغيرة من شقق هذه الأيام، ويستغرب كيف كانت تلك الأسر تعيش فيها دون أن تجأر بالشكوى أو تعاف حياتها، راضية بما قسمه الله لها، لا تحمل قلوبها غلا ولا حسدا لأحد، حيث الجميع شبه متساوين في الرزق، وحيث الفوارق بينهم لا تكاد تذكر.

يذهب إلى تلك الفرجان القديمة التي لم تغير خطط التطوير كثيرا من رسوم خرائطها رغم تغير وجهها الذي كان يعرفه تماما لكنه لم يعد ذلك الوجه الذي كان يألفه، فتثير استغرابه مساحات (السكيك) التي تفصل بين بيوتها، ويعجب كيف كان هو وأقرانه يرونها وقتها واسعة فسيحة عندما كانوا يلعبون ويجرون فيها صغارا، تستنزف طاقتهم ويعودون منها لاهثين إلى بيوتهم.

يبحث عمّا وراء المساحات التي كانت كبيرة في نظره يوما ما ويراها اليوم صغيرة فتطالعه تلك الوجوه التي كانت تفيض بشرا ورضا، وتستقبله تلك القلوب التي كانت في رحابة الفضاء الواسع.

ويتساءل عن سر الرضا الذي كانت تشعر به في زمن لم يتوفر لها فيه شيء من وسائل الرفاهية التي هي متوفرة اليوم، فيدرك أن الراحة ليست راحة الأبدان وإنما هي راحة القلوب، وأن الرضا إنما هو رضا النفوس بما قسمه الله لها من العيش والرزق.

يتجول اليوم في المناطق الجديدة التي انتقل إليها سكان تلك الفرجان بعد أن هجروها لتحتلها الوجوه الغريبة التي يشاهدها، وتطأ أرضها الأقدام التي لا تعرف قيمة ترابها، فتفاجئه المساحات الكبيرة التي تحتلها هذه البيوت التي هي أشبه ما تكون بالقصور بمفهوم ومقاييس تلك الأيام، ويتساءل: تُرى هل ازدادت مساحة قلوب ساكنيها اتساعا بحجم الاتساع الذي غدت عليه بيوتهم؟

هو يعرف جيدا أن عدد ساكني هذه البيوت قد تقلص كثيرا ولم تعد تضم بين جدرانها الأعداد الكبيرة التي كانت تحتويها تلك البيوت الصغيرة، لكنه يتمنى أن تكون قلوب ساكنيها قد حافظت على رحابة تلك القلوب التي ذهب أغلب أصحابها ولم تعد وجوههم سوى نقاط مضيئة في الذاكرة تزداد توهجا كلما ألحّت عليه هذه الحسابات التي تعجز أحدث الحاسبات والعقول الإلكترونية عن حل مسائلها لأنها حسابات لم تتلوث نفوس أصحابها بفيروسات العصر.

ولم تصب عقولها لوثة الأرقام والحسابات التي ذهبت بعقول الكثيرين وحوّلتهم إلى آلات حاسبة تجيد عمليات الجمع والطرح والقسمة والضرب، لكنها لا تجيد فنّ الحياة ولا تعرف طعمها البعيد عن كل هذه العمليات، ذلك الطعم الذي يبقى في الذاكرة بعد أن يغلق الإنسان كل هذه الحسابات ويلغيها من حسابه.

aliobaid4000@yahoo.com