مؤلف هذا الكتاب هو د. أحمد فؤاد باشا، أستاذ الفيزياء ونائب رئيس جامعة القاهرة، شارك بالتأليف والترجمة في إصدار عدة كتب وموسوعات في مجالات الفيزياء والرياضيات وتبسيط العلوم للأطفال.
وفي كتابه الحالي الذي جاء بعنوان «في التنوير العلمي» ينادي، بضرورة تأصيل الثقافة الإسلامية، وتأصيل منهجيتها العلمية للحيلولة دون محاولات طمس هذه الثقافة وتلك الحضارة من تاريخ المعرفة الإنسانية، وذلك من خلال ثلاثة محاور رئيسية، الأول: حوار الثقافات وتفاعل الحضارات، والثاني: قضايا التعليم والبحث العلمي، بينما يدور المحور الثالث حول: فئة التقدم الحضاري وبناء مجتمع المعرفة.
الشرق الأوسط الكبير يشير المؤلف إلى التصورات الأخيرة عن مبادرة غربية عنوانها «الشرق الأوسط الكبير» ربما تكون من أهم وأخطر المقاربات الإصلاحية المتعلقة بالعالم العربي والإسلامي في المستقبل القريب، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، والواقع أن صورة الشرق الأوسط كانت أكبر وأعظم مما هي عليه الآن بكثير جداً، وذلك منذ أن بزغت شمس الإسلام في أواخر القرن السابع الميلادي.
فكان نبعاً جديداً من منابع الفكر والهداية والإصلاح والنور والرشاد، انبثق من قلب الجزيرة العربية، وفاض حتى أصبح بحراً يموج بالقوة والحياة، وقد تم هذا للعرب والمسلمين قبل أن تقع عيون «كولمبوس» على شواطئ أميركا بعدة قرون، وقبل أن يستطيع «فاسكو دي جاما» أن يصل إلى الأرض التي حلم بها كولمبوس بقرون عديدة.
وكان لهذا الأخير مرشد عربي اسمه «أحمد بن ماجد» كانت له خبرة بالملاحة البحرية، فاستطاع بمهاراته أن يقود الرحالة الأوروبيون إلى الدنيا الجديدة، كذلك كانت علوم البحار والمحيطات بجوانبها الجغرافية والجيولوجية والحيوية والفلكية والمناخية والملاحية كلها علوماً عربية إسلامية أصلية، هذه هي بعض ملامح الصورة الحضارية للإسلام والمسلمين، التي شهد بها المنصفون من مؤرخي العلم والحضارة.أما عن ثلاثية الدين والعلم والفلسفة، فيقول الكاتب: إن من يدرس تاريخ التدين وأنواع الديانات، وينظر إلى الدين.
كما صنعه البشر أو تخيلوه، وكذلك من يتأمل مفهوم الألوهية كما تصورته الشعوب، وكما تصوره الفلاسفة قديماً وحديثاً، يدرك بسهولة عظم الفضل الإلهي على بني آدم بمجيء التعليم الإلهي، الذي عرفهم بجوهر الدين، وهو الإيمان بالله واتباع هداه، وصحح لهم أصول المعرفة، وأعطاهم النظرة الشاملة لكل ما يحتاجون إليه، وكيف كان يتسنى لهم معرفة الحقائق الكبرى في الدين أو الكون أو الحياة..
ولكن هذا لا يمنع العقل لأن يفكر ويبحث، لأنه سوف يتوصل في النهاية إلى أن الحق هو ما أخبره الله في كتبه المنزلة، ولذلك نشأت مشكلة التوفيق بين العقل والنقل، أو التفكير والوحي، أو بين الفلسفة والدين، أو بين الدين والعلم، وكان الدين الخاتم هو الإسلام الحنيف، الذي أرسله الله على رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم، ليقود حركة الإنسانية كلها ويحقق الانسجام لجميع أنواع البلبلة، التي وقعت فيها الديانات المحرفة والفلسفات الخابطة في الظلام.
تأصيل إسلامي
ويؤكد الكاتب أن الإسلام قدم للفكر البشري منهجاً عقلانياً رشيداً في المعرفة، يحث على الاستقرار والاستنباط، وينمي الحس النقدي والنظرة الاستقصائية لدى الباحثين والمفكرين، ومن ثم استطاع المسلمون أن يتجاوزوا مرحلة الجمود الفكري، التي توقف عندها الإغريق، وتمكنت العقلية الإسلامية من العثور على منهج الفكر السليم وأداته الصحيحة بفضل التوجيهات والتعاليم الإسلامية البناءة.
ويؤكد المؤلف على أن تراثنا الإسلامي يزخر بالعديد من الأمثلة، التي تؤكد سبق المسلمين إلى نقد منهج القدماء وتفنيده وإثبات عمقه، والتي توضح أثر الإسلام، من حيث هو منهج حياة وعقيدة في تشكيل العقلية الإسلامية الناقدة والمبدعة، ومثال على ذلك وصف ابن الهيثم لخصائص المنهج، الذي اتبعه في مؤلفه الشهير «المناظر» الذي يعتبر وثيقة علمية وتاريخية مهمة تنصف علماء المسلمين ودورهم في تأسيس المنهجية العلمية.
وتأتي في مقدمة هذه الخصائص والمقومات أن القواعد العامة التي وضعها ابن الهيثم توافق واقع البحث العلمي وطبيعته من حيث إنها ليست مجموعة من الخطوات التي تلتزم ترتيباً معيناً لا ينبغي تجاوزه، مما يضفي عليها قدراً من المرونة يحول دون جمودها أمام حركة العلم وتقدمه.
ويذكر المؤلف أن التفكير العلمي مطبوع في الإنسان منذ خلقه الله سبحانه وتعالى، ليس فقط باعتباره حاجة فطرية تدفعه إلى البحث وراء ما يسد به حاجته ويكفي ضرورياته، ولكن أيضاً باعتباره حاجة عقلية ينظم بها حياته ويرقيها ويحقق من خلالها منهماً أفضل لطبيعة الأشياء والظواهر التي يتعامل معها.
ولكن ينبغي التأكيد على أن تحقيق ارتباط العلم والتفكير العلمي بتنمية المجتمع يتطلب الفهم الواعي لطبيعة العلاقة بين العلوم الأساسية من جهة والعلوم التطبيقية والتقنية من جهة أخرى، والعمل على تحقيق التلاحم والانسجام بينهما حتى يؤتيا ثمارهما في تلبية احتياجات المجتمع، ذلك أن المعرفة العلمية لا تفرق بين بحث نظري وبحث عملي.
ويؤكد الكاتب على أن ما يجب أن يأتي في مقدمة هذه الضرورات هو تعميق الإيمان بأهمية العلم في حياتنا باعتباره فريضة واجبة الأداء، والأخذ به بنية ومنهجاً وأسلوب حياة، انطلاقاً من تعاليم الدين الحنيف ـــ إسلام القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ــــ الذي حث على طلب العلم من المهد إلى اللحد، وجعل الحكمة ضالة المؤمن.
فهو أحق بها أنى وجدها، ثم تأتي بعد الضرورة الإيمانية لتنمية التعليم والبحث العلمي الضرورة الأمنية لامتلاك العلم والتقنية كعنصر حاكم في اكتساب القوة العسكرية والمدنية على حد سواء، لضمان تحقيق الأمن القومي الشامل بجانبيه المادي والمعنوي، فلم يعد هناك مجالات من مجالات الأمن القومي إلا ويحتاج إلى العلم والبحث العلمي.
ضرورات
ويواصل المؤلف حديثه عن ضروريات البحث العلمي قائلاً: وهناك أيضاً، لتنمية البحث العلمي والتعليم، ضرورة معرفية، وحاجة عقلية ملحة تدفع الإنسان دفعاً إلى التماس الحقيقة في كل مظهر من مظاهر الوجود، ولقد تحول هذا الشعور لدى صفوة العلماء والمفكرين إلى عاطفة حب قوية تعدل الحياة نفسها.
وأخيراً، هناك الضرورة الحضارية لتنمية التعليم والبحث العلمي، وهي ضرورة يفرضها الوضع المتردي للأمة الإسلامية، التي يصنف أبناؤها ظلماً كمتخلفين ينتمون إلى دول متخلفة أو نامية، بالرغم من امتلاكهم لكل الإمكانات والثروات التي تؤهلهم لتحقيق التقدم والخروج من مستنقع التبعية والتخلف وفي النهاية يتساءل المؤلف، ترى هل هذه الضرورات الإيمانية والأمنية والمعرفية والحضارية مجتمعة كافية لجذب الانتباه إلى مجال التعليم والبحث العلمي الذي يحتاج إلى إصلاح جذري عنيف من أجل أن يحقق المتطلبات المتنامية للأمة خلال مراحل نموها وتطورها؟!
وفي خاتمه الكتاب يرى الكاتب أن الأمل معقود على صفوة العلماء والباحثين والمفكرين داخل الجامعات وخارجها من أجل بلورة نظرية عامة في العلم والتقنية، تؤتي ثمارها عند التطبيق المتوازن في دفع حركة التقدم العلمي والتقني، ويظهر مردودها بتحقيق أعلى قدر ممكن من التنمية الشاملة، وخاصة في البلاد النامية التي تلهث دائماً وراء علم لا تنتجه، وتجد صعوبة بالغة في استيعاب تقنيات معقدة ومتجددة لا تستطيع ملاحقة أجيالها.
وأخيراً يتطلب الأمر بطبيعة الحال تأكيد وحدة العلوم الأساسية والتطبيقية، ومنهم طبيعة العلاقة التبادلية الوثيقة بين العلم والتقنية، ومن هنا تجب الإشارة إلى أهمية اعتبار العلم والتقنية من النشاطات الإنسانية التي لا يمكن ازدهارها إلا إذا حظيت بالرعاية والأولوية على ما عداها، كأساس لتحقيق القفزة الحضارية لمواكبة حركة العصر.

