أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات.

صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ. ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

الصراف الآلي في عددها الأسبوعي المنشور يوم الأحد 29/7/2007 أصدرت جريدة نيويورك تايمز ملحقاً على شكل مجلة ضم ملفاً ومحوراً كاملاً يحمل عنوان «أنه يفهم» وكانت الإشارة في هذا السياق إلى الروبوت - الكائن الآلي الذي يتوقع كاتبو التحقيق أن الأجيال القادمة منه سوف تشكل (ثورة) بكل المعاني في عالم هذه المرحلة من مطالع القرن الحادي والعشرين وسوف يتم تصميمها - كما يضيف الملف الأميركي - بحيث تسامرك وتحسن صحبتك وتساعد في أعمال المنزل.. بل وتحاول، وقد تنجح، في إقناعك بأن تخفف وزنك وتراعي قواعد غذائك حفاظاً على الرشاقة والصحة في آن.

وبصرف النظر عن احتمالات التوصل يوماً ما لهذا الجيل من آليات الصحبة والانفعالات - فالعالم أصبح يألف منذ سنوات آليات التعامل النقدي والإجراء المصرفي مع تلك الماكينات - الذكية بحق - التي لم تعد مقصورة على المثقفين أو المتعلمين المتنورين بل أصبح التعامل معها يضم كل الناس..

ومنهم أشباه متعلمين - وربات بيوت وربما أميون لم يتعودوا يوماً على التخاطب بلغة الأرقام السرية التي تفهمها الماكينة ومن ثم تبوح بسرها المصرفي المكنون ثم تدس في يد من يتفاهم معها ما يطلبه من مبالغ من شتى العملات. آلة الصرف الأوتوماتيكية هذه يرجع تاريخها إلى عام 1939 حين سجل براءتها المخترع الأميركي (من أصل أرمني) جورج سيمجيان وقام بنصبها في أحد المصارف الكبرى في إحدى المدن الأميركية ولكن البنك اضطر إلى استبعادها بعد 6 أشهر. لماذا؟

لأن السادة عملاء البنك رفضوا التعامل معها.. منهم من لم يتقبلوا فكرتها ومنهم من استكبروا أن يتخاطبوا مع.. الجماد.. حتى ولو كانت ماكينة يتسلمون منها ما يطلبون من نقود. ومنهم من كان يرتبك في سياق هذا التعامل ويفضل أن تتم المسألة مع إنسان.. صراف البنك الشاطر الذي يبدأ بتحية الصباح أو صرافة البنك الحسناء. هكذا مضى الأمر وتعيّن على ماكينة الصرف الآلي أن تنتظر ما يقارب من 25 سنة إلى أن بادر بنك شهير آخر بتركيب أحدث أجيالها في انفيلد البلدة الصغيرة في شمال لندن وكان ذلك عام 1967..

ومرة أخرى يرجع الفضل في هذا الجيل المتطور من عائلة الصراف الآلي إلى مخترع آخر هو جون شيرد بارون. كثيراً ما كان هذا النابغة يحتاج إلى نقود لزوم النزهة الترفيه في عطلة السبت والأحد وهي العطلة الأسبوعية التي يغلق فيها البنك أبوابه وكان هذا الدافع الأول إلى عكوفه سنة كاملة يحاول تطوير ماكينة الصرف الآلي المنشودة إلى أن طرحها .

وقد احتوت على وحدة معالجة مركزية ورقائق ممغنطة وشاشة مزودة بدورها بأرقام يختارها العميل وأحياناً تمارس دورها بمجرد لمسة من يد العميل ذاته بحيث يتهيأ الجهاز لاستقبال تركيبة الأرقام السرية التي يلقمها الزبون للماكينة كي تتعرف عليها قبل أن تستجيب للطلبات. وفي أغسطس من عام 2006 زاد عدد هذا النوع من الماكينات على 1.5 مليون آلة في العالم ما بين أقصى شمال الكرة الأرضية في سغالبارد بالنرويج إلى أقصى جنوبها في قارة انتاركتيكا المتجمدة.

بيد أن هذه الزيادة وانتشار الاستخدام ما زالا يدفعان أفواجاً من المخترعين إلى المزيد من تدابير أمن التعامل مع الصراف الآلي. ومن ذلك مثلاً التقاط صورة المتعامل مع الآلة، أو تزويدها بأجهزة التعرف الصوتي، أو قراءة بصمات العميل ناهيك بتركيب جهاز فائق الحساسية يستخدمه العميل بلمسة أو كلمة إذا ما شعر بأن ثمة خطراً محدقاً به.

في كل الأحوال دارت كل أفكار الأمن والسلامة عن آلة صرف النقود حول محور أساسي واحد هو: أنها في التحليل الأخير عبارة عن خزانة أموال موضوعة في الشارع ومعرضة لكل الظروف، ولا وظيفة لها غير صرف هذه الأموال إلى مستحقيها..

لهذا لم يتورع اللصوص، لا عن محاولة سرقة الأموال من الماكينة، بل عمدوا إلى سرقة الماكينة برمتها واستخدموا لذلك معدات النقل الثقيل لكي يزيلوها هي وتركيباتها من فوق الأرض ويخلعوها من داخل الجدران التي كانت تحتويها. ومن عجب فلم يكن هؤلاء اللصوص عصابات شيكاغو المعروفة - بل كانوا من أصدقائنا.. أهل اليابان!

عقار البنسلين

لكي يثبّت الخير ركائزه مبرهناً على الجانب الإيجابي الطيب من وجدان وسلوك الإنسان. شهدت حقبة الصراع الدموي في الحرب العظمي الأولي سلوكيات نوعية أخرى من البشر - نفس أبناء الجنس البشري الذين كانوا قد وكلوا أنفسهم - في انجلترا وفرنسا أو ألمانيا أن يحولوا الطائرة مثلاً من اختراع عبقري جديد إلى آلة للحرب والقتل والدمار.

النوعية الأخرى تمثلت في الذين آلوا على أنفسهم وقتها أن يخوضوا غمرات تلك الحرب ولكن من الضفة المقابلة - ضفة العلاج والشفاء وإقامة مصحات الميدان والتماس العقاقير والأدوية التي قد تصلح في مواجهة ما يلحقه المتحاربون من إصابات وجروح وتشوهات بخصومهم في ساحات القتال.

هكذا وجد الطبيب العالم ألكسندر فلمنغ نفسه مطالباً وسط غمرات الحرب العالمية الأولى بالتوصل إلى ابتكارات في دنيا معالجة الجرحى، فما بالك وقد زادت متطلبات الحرب من مشاكله حين حرمته من الإمكانات البشرية والمادية التي كان قد حشدها في مختبره الذي شهد ما كان عاكفاً عليه قبل الحروب من دراسات وابتكارات وبحوث.

ألكسندر فلمنغ عَلم بارز بين أسماء مكتشفي القرن العشرين: مولود عام 1881 في قرية نائية من أعمال اسكوتلندا - وسط عائلة كبيرة العدد من عشرة أفراد من أشقاء وشقيقات يعمل أفرادها منذ نشأتهم في مزرعة العائلة الشاسعة قرب البيت.. ومن ثم فهو في حال من التواصل الدائم مع آلاء الطبيعة ومظاهرها ومواردها ما بين جداول المياه إلى مصفوفة الأشجار إلى الوديان والهضاب وصنوف النبات وفي هذا يقول الدكتور فلمنغ:

كنا نتعلم من دروس الطبيعة.. ولقد تعلمنا من حيث لا ندري الكثير.

وعندما مات الوالد وانتقلت الأسرة الكبيرة إلى لندن.. التحق الفتى ألكسندر بوظيفة أقل من متواضعة في شركة ملاحة بحرية ولم يرق له هذا العمل يوماً.. وقبل أن تنضب موارده المالية جاء عام 1900 ليرث عن أحد أعمامه 250 جنيهاً إسترلينياً وكان مبلغاً طائلاً في تلك الأيام لدرجة أن أتاح له أن يلتحق بكلية الطب!

هكذا بدأت مسيرته مع سلسلة من المصادفات أولها تلك التي حملته إلى الطب وبعدها تلك التي تحولت به من التخصص في الجراحة إلى التخصص في دراسة الجراثيم - علم البكتريولوجيا.. وتمثلت المصادفة الجديدة في أنه تخلى عن مهنة الجراح التي كانت جديرة بأن تنقله إلى مكان آخر في انجلترا بعيداً عن نادي الصيد الذي كان عضواً فيه وهاوياً شغوفاً باستخدام البندقية.

في عام 1909 تسامعت الدوائر الطبية باكتشاف الطبيب الألماني بول أرليتش علاجاً كيميائياً لمرض سلس البول أطلقوا عليه وقتها اسم سلفارسان وتلخصت فكرته - كما لاحظ فلمنغ - في مداواة هذه الإصابات بعقار مضاد (الزرنيخ في حالة سالفارسان).

كانت مشاهداته خلال الحرب قد أطلعته على مدى معاناة الجنود من جراء الجروح التي أصابتهم ولاسيما بعد تفاقمها وتلوثها مما يؤدي في حالات كثيرة إلى وفاة المصاب. وبعد تجربة الحرب عاد فلمنغ إلى مختبره في مستشفى سانت ماري الإنجليزي ليعكف عبر سنوات العشرينات على التماس عقار جديد يؤدي مهمة التطهير ومنع تعفن الجروح ويصبح عنصراً مضاداً للجراثيم.

اكتشف أولاً عقار لليسوزيم وهو انزيم موجود في كثير من إفرازات الجسم البشري مثل الدموع واتضح أن هذا العقار له مفعول مضاد للبكتريا لكنه لم يكن فعالاً بما يكفي للتصدي لعوامل التلوث القوية التأثير. لهذا واصل البحث في صبر وأناة.. حيث تعددت تجاربه وتوزعت اهتماماته لدرجة أن أصبح مختبره العلمي أقرب من حيث التشتت والفوضى إلى بعثرة «دكان العطار».في ليلة من ليالي عام 1928 بدأ يتفحص عدة صحون كان يربي فيها البكتريا اللازمة للتجارب..

وكان المختبر أو دكان العطار.. فلمنغ قد مال بهذه الصحون إلى حوض الغسيل وإذ عمد الدكتور الباحث إلى كشف كل صحن قبل أن يضعه في محلول التنظيف.. استوقفه واحد منها فإذا به يعلن قائلا: هذا غريب.. كان هناك بعض العفن ينمو على أديم هذا الصحن أو ذاك وكان ذلك مألوفاً في كل حال.. لكن كل البكتريا المحيطة بهذا العفن كانت قد ماتت.. وكان هذا هو الغريب كما لاحظ فلمنغ الذي بادر إلى تحليل عينة من العفن القاتل للبكتريا.. ليكتشف أنها من فصيلة اسمها البنسلين..

وهكذا أمكن الدكتور ألكسندر فلمنغ من اكتشاف العقار الجديد عام 1929.. وأن لم يقدّر له أن ينال اعتراف الدوائر الرسمية أو الطبية أو الشعبية إلا بعد أن أثبت نجاعته في معالجة جرحى الحرب العالمية الثانية.. وكان ذلك بفضل جهود اثنين من الكيميائيين اللذين استطاعا تحويل الكشف العلمي ومصادفته السعيدة إلى عقار دوائي مطروح في دنيا الطب والعلاج.

رحل ألكسندر فلمنغ عن الدنيا في عام 1955.. ولكنه حصل على لقب سير من ملك بريطانيا في عام 1944.. ثم كافأه العالم بجائزة نوبل عام 1945 التي كان طبيعياً أن يشاركه فيها أستاذا الكيمياء هوارد فلوري وأرنست تشين.. وهذه الجائزة التي ارتبطت باكتشاف وتطوير البنسلين - العقار السحري يرجع الفضل فيه إلى أربعة عوامل أولها المكتشف الأول فلمنغ والثاني والثالث المتخصصان في علوم الكيمياء أما العنصر الرابع فاسمه ببساطة هو.. الصدفة السعيدة لصالح الإنسانية.

محمد الخولي