* «يا أيها الذين آمنوا» «يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين» (سورة آل عمران: 149)حذر الله عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين الذين انتهزوا ما أصاب المسلمين من الهزيمة والقرح في غزوة أحد، ليثبطوا عزائمهم.
ويضعفوا من روحهم المعنوية، ويرهبوهم عاقبة السير مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويثنوهم عن اتباعه والسير على نهجه بالتشكيك في نبوته، فقد قال بعض المنافقين بعد هزيمة المسلمين بأحد: «ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم، لو كان محمد نبياً لما غُلب»، إلى آخر ما من شأنه أن يقال في تلك الساعة الصعبة من الاقتراحات التي ظاهرها النصح وباطنها الغش، فنهاهم الله تعالى عن طاعتهم في ذلك.وقد تحدث هؤلاء المنافقون عن عواقب الاشتباك مع مشركي قريش وحلفائهم، ولا يوجد أصلح من جو الهزيمة لبلبلة القلوب وخلخلة الصفوف، وليس أخصب من تربتها لزرع عدم الثقة في القيادة النبوية والتشكيك في فائدة الإصرار على محاربة العدو إن كان قوياً.
ومن ثم يكون تزيين الانسحاب من ساح الوغى والفرار من الزحف، ومن بعده مسالمة المنتصرين! مع إثارة المواجع الشخصية والآلام الفردية، والبكاء على القتلى والجرحى، ثم تصخيم تلك الأوجاع الفردية لتقويض أركان المجتمع وإضعاف قوة العقيدة في نفوس المسلمين، بل هدمها، ثم الاستسلام للأقوياء الغالبين.
قال الحسن في الآية: (لا تستنصحوا اليهود والنصارى وتقبلوا منهم لأنهم كانوا يستغوونهم ويوقعون لهم الشبه في الدين ويقولون: لو كان نبياً حقاً لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوماً له ويوماً عليه). وما أكثر من يلقي الشبهات ويشكك في مبادئ الدين، ويستهزئ بأحكامه تارة بالتصريح وتارة بالتلميح، وكثر من جعل الغرب بأفكاره المخالفة والمناقضة لعقيدتنا إمامه فأضل بذلك عقله وفرط في قيمه.
لأنه بركونه إلى أعداء عقيدته، وتبنيه أفكارهم التي خالفت معتقدات دينه الإسلامي يكون قد هُزم روحياً وبالتالي صار أضعف من أن يصمد لهم عسكرياً، وحينئذ لا يستبعد أن يرتد على عقبيه فيكون من الخاسرين، لأنه لم يجد في عقيدته وفي قيادته غناء عن مشورة الأعداء. فإذا استمع إلى هؤلاء مرة فهي بداية الانجراف لمستنقع التبعية والانقياد ثم الارتداد على الأعقاب، ولو لم يحس في خطواته الأولى أنه في طريقه إلى هذا المصير البائس.
إن طاعة الكفار لها من سوء العاقبة ما لا حصر له مما يصيب المسلم في دينه ودنياه، فهي الخسارة كما قال الله تبارك وتعالى: (يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين).. خاسرين في الدنيا بالذلة وتحكم العدو فيمن أطاعه من المسلمين، وخسران الآخرة بالعذاب الشديد.
على المؤمن أن يتأمل كتاب الله ليوقن أن النصر من عند الله كما قال جل شأنه: (وما النصر إلا من عند الله) وأن ما يصيبه بسبب معاصيه، قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) ويدرك أنه ينبغي له أن ينصر الله باتباع تعاليمه حتى ينصره الله على أعدائه مصداقاً لقوله تعالى: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)، وبهذا لا يكون لديه ما يبعث على طاعة الذين كفروا رجاء الحماية والنصرة عندهم.
ويتوكل على الناصر القاهر فوق العباد وهذا ما يبينه ختام الآية الكريمة (بل الله مولاكم، وهو خير الناصرين) فمن كان الله مولاه ثبت قلبه ولا حاجة له بطلب النصرة من العبيد لله.

