* أَولادُنا مثل الجوارح الجَوارح هنا «جَمْعُ الجارحة»: وهي الأعضاء العَوامل كاليدين والرّجلين، والعبارة لابن الرّومي في قصيدة رثاء ولده الأوسط. وكان ابن الرومي شاعراً مُبدعاً ومصوراً بارعاً؛ وقد سجّل شعره صدى النكبات التي أصابته، ومنها وفاةُ زوجته وثلاثة من أولاده في أوقات متفرقّة.
واشتهر ابنُ الرّومي ــ في باب الرثاء ــ بقصيدته التي رثى بها ابنه الذي مات منزوفاً، وهو لم يزل في المهد صبيّاً، وأحسّ وكأن الموت اختطف منه فلذة كبيرة من كبده، فامتلأت نفسه حزناً وشقاءً، وقعهما على قيثارته ــ كما يقول د. ضيف ــ ودموعه تَتحدّر على خدّيه، وإنه ليخاطبُ عينيه كي تذرفَ الدّموعَ غزيرةً، علّها تنفّس عنه شيئاً من مِحنته في ابنه:
بُكاؤكما يشفي وإن كان لا يُجدي
فجُودا فقد أَودى نظيرُكما عندي
ــ يقول لعينيه: جُودا بالدّموع واذرفاها غزيرة، فإن الذي توفّي يُساويكما عندي؛ وبعده:
أَريحانة العينين والأنف والحشا
ألا ليت شعري هَل تغّيرتُ عن عهدي؟
كأني ما استمتعت منك بضَمّةٍ
ولا شمّةٍ في ملعبٍ لكَ أو مَهْدِ
وأنت وإن أفْردت في دار وحشةٍ
فإني بدارِ الأنس في وحشة الفَرْدِ
ــ ووقف الشاعر عند وصف وفاة الولد الأوسط من أَولاده وفَصّل في ذلك، وكأنه يُحَمّس نفسه لمزيد من الحُزن والأسى، وذَكر إلحاح النزف عليه حتى وصل به الأمر إلى الوفاة، ثم قال ذاكراً عواطفه نحو ابنه:
عجبتُ لقلبي كيف لم ينفطرْ له
ولو أَنّه أقسى من الحَجرِ الصَّلّدِ
وأولادُنا مثل الجوارح أَيّها
فقدناه كان الفاجعَ البَيّنَ الفقدِ
لكلٍ مكان لا يَسُدّ اختلاله
مكانُ أخيه من جزوع ولا جَلْدِ
هل العينُ بعد السّمع تكفي مكانه
أم السّمع بعد العين يهدي كما تهدي؟
فكلّ ولد جارحةٌ من الجوارح، وعضوٌ مهم من أعضاء البدن، وفقد واحد لا يعوّضه وجود آخر.
وتتوالى النّكبات على الشّاعر، وترتفع نغمة الحُزن من الشاعر على منْ يفقدُ من أَولاده، ويجعل الشعر وسيلته إلى البَوحْ بما في النفس، وإلى مساعدة قلبه وروحه على الاحتمال.
ومنه في رثاء ابنه «هبة الله» أَوّلها:
يا هَلْ يُخَلّد منظر حسنُ
لِمُمَتَّع أَو مَخْبَرٌ حَسَنُ؟
أم هل يطيب لمقلةٍ وسَنٌ
فيقرّ فيها ذلك الوسنُ؟
ــ والبداية حزينة، ولكنّها مأطورة بإطار الحكمة، وهي تعين عادةً على تَقَبُّلِ الأمرِ الواقع لأنه يعمّم ما هو خاص، ويتأسى كما يتأسى الناس.
ــ ولكن الشّاعر قال بعد ذلك:
أبُنّيّ إنك والعزاء معاً
بالأمسِ لُفّ عليكما كفَنُ
أَبني إنْ أحزنْ عليك فلي
في أَنْ فقدتك ساعةً حَزنُ
تالله لا تنفكّ لي شجناً
يمضي الزّمان وأنت لي شجن
ما أَصبحتْ دنيايَ لي وطناً
بل حيثُ دارُك عنديَ الوَطنُ
واجتمع للشّاعر في هذه الأبيات عرض الفاجعة عرضاً حزيناً مؤثراً من جهة المعنى، وعرضاً فنّياً مُتقناً من حسن الصياغة ومناسبة العبارة، وإيضاح المقاصد، وإبراز العاطفة.
ــ ونقرأ في القصيدة، متحسراً كما تقتضي الحال:
يا حسرتا فارقتني فنَناً
غَضّاً ولم يُثمر لي الفَنَنُ
أولادُنا أنتم لنا فِتنٌ
وتفارقون فأنتمُ مِحَنُ
وفي الختام:
أبكاني ابني إذ فجعت به
لم تبكني الأطلال والدِّمَنُ
وعكفت بالقبر المحيط به
فاعذرْ فلا صَنَمٌ ولا وثنُ!
ويعد ابن الرومي واحداً من أشهر من رثوا أبناءهم فأكثروا وأثّروا.
أ.د محمد رضوان الداية
