في أي حديث عن قضية «اللاحدود»، أي قضية الانفتاح والتواصل والتفاعل الثقافي، بالترحال والاتصال والاطلاع والترجمة، فإن الحديث يتجه عادة أو غالباً إلى الغرب والثقافة الغربية، حيث يقول الواقع الثقافي المعاصر في كل بلادنا العربية: إن الجانب الأكبر من ثقافة المتعلمين والمثقفين هو غربي في الغالب ـــ غربي: من أدب الغرب وفنونه السينمائية والمسرحية والموسيقية والتشكيلية والمعمارية.
ومع أن ذلك أمر ضروري ومطلوب، فإنه أمر ناقص وقاصر، لأنه لا يمثل سوى جانب واحد، أو رافد واحد، من قضية الانفتاح الثقافي، لا ينبغي الاقتصار عليه دون بقية الجوانب، ودون بقية روافد الثقافة الإنسانية المتعددة، وبخاصة روافد الثقافة التي طالما كانت الأقرب إلينا، روحياً ووجدانياً وفكرياً، على امتداد مراحل ممتدة من تاريخنا المشترك، وفي طليعتها ثقافة الشعوب الإسلامية في آسيا.
في هذا المجال، يسجل التاريخ اسم شخصية فذة، هداها فكرها وروحها إلى العمل على تلافي ذلك النقص والقصور، فوجهت أشرعتها لاجتياز «الحدود» إلى الشرق، وبالتحديد إلى روافد الثقافة الإسلامية غير العربية: الفارسية والأردية والتركية، وراحت تنهل منها، وتعرف بها، وتجلى كنوزها، وتترجم روائعها، فكان بذلك الرائد الأول للأدباء بلا حدود، في جهة الشرق، وهو المفكر والصوفي، والباحث والسياسي، والشاعر والأديب بلا حدود الدكتور عبدالوهاب عزام.
في أسرة عربية عريقة، في بلدة الشوبك بمحافظة الجيزة، غرب نيل القاهرة، ولد عبدالوهاب عزام سنة 1894. ومنذ الصبا تشبعت روحه بمشاعر الوطنية والقومية والإسلامية، ومقاومة الاستعمار، ولكنه أيضاً اتسم بالحكمة وروح العلماء، فكتب مرة في شرح القضية المصرية بعد ثورة 1919:
«إن انجلترا تربح بالجلاء ولا تخسر شيئاً، تربح الوفاء بالوعد، والخضوع للحق، وتكسب قلوب المصريين والعرب كلهم، والمسلمين من ورائهم. ولها الخيار في أن ترضى لنفسها الربح أو الخسارة، وأما مصر فلا خيار لها، فإن استقلالها وكرامتها ومكانتها بين البلاد العربية والإسلامية، كل هذا يؤدي حتماً إلى الجلاء، وهي ظافرة به قريباً إن شاء الله. إن الزمان لا يرجع القهقرى، والأمة الحية العزيزة لا ترتد عن وجهتها. ومصر خاصة قد حشدت كرامتها وعزمها وقلوبها، ولن يردها عن غايتها شيء، ومن ذا يرد السيل إذا هدر؟ أو من ذا يرد على الله القدر؟».
في كتَّاب القرية حفظ القرآن الكريم، وفي الأزهر ثم في مدرسة القضاء الشرعي، ثم في الجامعة العربية القديمة، تضلع عبدالوهاب عزام من العلوم الدينية واللغوية والأدبية والقانونية وغيرها من العلوم الرياضية والتاريخية والجغرافية.
وعقب تخرجه اختير مستشاراً دينياً للسفارة المصرية في لندن، فدفعته همته إلى مدرسة اللغات الشرقية بجامعة لندن، حيث حصل على الماجستير في اللغات الشرقية برسالته «التصوف في رأي فريد الدين العطار».
في تلك الفترة الفارقة في حياة عبدالوهاب عزام، لمس سعة الاهتمام الغربي بتراث الشرق الإسلامي، وأثار ذلك إعجابه وغيرته أيضاً، وخلص إلى أن العرب أولى بالاهتمام بهذا التراث، فإن ما بينهم وبين الشرق الإسلامي من عرى وثقى من الدين والتاريخ والجوار والقربى والمصالح، يفرض أن يكونوا أول من يهتم به ويتفاعل معه.
وعاد إلى مصر، وانتظم في سلك هيئة التدريس بالجامعة. وفي سنة 1932 حاز على درجة الدكتوراه برسالته عن «اهنامة الفردوسي»، وكان يوم مناقشتها من أيام الجامعة الخالدة، وصفها فيما بعد أستاذه الدكتور طه حسين، فقال عنها وعن عزام: «كان يوم مناقشته في رسالته يوماً مشهوداً من أيام الجامعة. شارك في مناقشته أساتذته الذين صاروا له زملاء، وحضرها تلاميذه.
كما شهدها مدير الجامعة ووزير المعارف آنذاك، فكان امتحانه عيداً من أعياد كلية الآداب، بل ومن أعياد الجامعة، رأت فيه مصر شاباً من شبابها يتخصص في الأدب الفارسي، ويشارك الغربيين في إحيائه، ثم يحييه للأمة العربية التي بعد عهدها بمثل هذه الدراسات».
وفي عام 1945 صار الدكتور عزام عميداً لكلية الآداب، فمديراً للجامعة بالنيابة. ومن مآثره في تلك الفترة تعريفه بشاعر الإسلام التركي الكبير محمد عاكف، على صفحات مجلة الرسالة، ورعايته له، وإسكانه في حي حلون بجواره.
وكذلك تقديمه لشاعر الإسلام الأكبر محمد إقبال، حين زار مصر عام 1931 وهو في طريقه لحضور المؤتمر الإسلامي الذي اجتمع في المسجدالأقصى، وذلك في حفل جمعية الشبان المسلمين لتكريمه.في تلك الفترة أيضاً بدأت حركته «بلا حدود» بانتدابه مرتين للتدريس في جامعة بغداد.
من بديع خواطره في بغداد سنة 1939 قوله:قضيت أول ليلة لي في بغداد هائماً في أحلام التاريخ، يخيل إلي تارة أني ذاهب لأرى موكباً من مواكب الخلفاء، أو أقف بباب (قصر الخلد)، لأرى الوافدين على القصر والخارجين. وتارة أتوهم أني سائر في دروب بغداد أسأل عن دار أبي حنيفة أو أحد صاحبيه، لأشهد مجالس الفقه. ومرة أراني مسائلا عن دار الحكمة، لأشهد المترجمين فيها والنساخ، وأخرى محدثاً نفسي: ترى أين دكاكين الوراقين؟
وقد أعود من طريقي إلى دار أحد أئمة الكلام، مبادراً إلى مجلس أبي نواس وأضرابه من الشعراء، فتسرع بي الفكاهة إلى السؤال عن دار ابن الرومي لأرى كيف يتشاءم من جاره الأحدب. ثم أراني سائرا إلى النظامية لأرى الغزالي في درسه، أو إلى المستنصرية لأرى كيف يعيش طلاب العلم بها. وبينما أسأل أحد المارين: أين بالكرخ سويقة غالب التي نزل بها المعري حين قدم بغداد؟
إذا أسأل: أين دار علي بن حمزة البصري التي نزل بها أبو الطيب المتنبي؟ ولقد أشهد في طرفة عين الرشيد قافلاً من غزالة، والمعتصم متأهباً لفتح، وثورات الجند على الخلفاء، وجيوش البويهيين والسلاجقة رائحة غادية، ثم جيوش التتار مدمرة مخربة..».
ألا رحم الله الدكتور عبدالوهاب عزام، وليت قلوبنا الميتة تنتفض وتحس بمرمى كلامه عن بغدادنا المعاصرة المثخنة بالجراح..!في عام 1947، انتدب الدكتور عبدالوهاب عزام إلى وزارة الخارجية المصرية، وزيرا مفوضاً لمصر بالمملكة العربية السعودية، حيث قام بأسفار عديدة في أنحائها، كان من ثمارها تحقيقات وبحوث في مواقعها التاريخية، مثل «موقع عكاظ»، و«مهد العرب». و«أسماء العشب والشجر في بوادي العرب»، «والشعر النجدي» المعروف بالشعر النبطي.
وفي سنة 1950 ابتعث سفيراً لمصر بالباكستان الناشئة، مثوى محبوب روحه محمد إقبال، وكان قد زار ضريحه، وألقى ـــ في حفل خاص أمام ضريحه ــ كلمة نثرية وشعرية مؤثرة، قال فيها:«.. كان مناي أن أزورك في حياتك، ثم تمنيت أن أزور ضريحك بعد مماتك، وها أنذا أشرف بأن ألقي أمامك هذه الكلمات، وأودع ضريحك هذه الزهرات:
عربي يهدي لروضك زهراً
ذا فخار بروضه واعتزاز
كلمات تضمنت كل معنى
بين ديار الإسلام في إيجاز
بلسان القرآن خطت ففيها
نفحات التنزيل والإعجاز
فاقبلنا على ضآلة قدري
فهي في الحق «أرمغان الحجاز»
«أرمغان الحجاز» معناها: هدية الحجاز، وهو اسم آخر منظومة نظمها إقبال، وذكرها عزام لأنه كان قادماً من الحجاز لزيارة الضريح.وأثناء سفارته في باكستان، تفجرت المقاومة الشعبية ضد القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس المحتلة، وخرجت جموع الباكستانيين في مظاهرات شعبية تأييداً للمقاومة المصرية، وكانت السفارة المصرية قبلة الجموع المحبة لمصر ولعزام، الذي رفض شكاوى واحتجاج السفير البريطاني هناك.
في سنة 1954 عاد سفيرا إلى السعودية، وبعد انتهاء خدمته الحكومية، استبقته السعودية لتأسيس وإدارة جامعة الرياض، حتى وفاته أواخر سنة 1958، حيث نقل جثمانه إلى ضريحه في مسجد عزام بحلوان بالقاهرة، وبذلك طويت صحيفة من أغنى صحف الثقافة العربية والإسلامية، كانت طوافا «بلا حدود» في أنحاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، مثل فيها جامعة القاهرة في مؤتمر العيد الألفي للفردوس بإيران، ومؤتمر بروكسل، والاحتفال بالمتنبي في بغداد، والمعري في دمشق، والندوة العالمية للإسلاميات في جامعة البنجاب بلاهور.كذلك حفلت صحيفته بأسمى تقدير، فانتخب عضواً بمجامع اللغة العربية في مصر، وسوريا، والعراق، وإيران.ونال أوسمة رفيعة من إيران، ولبنان، ومنح شهادات دكتوراه فخرية من باكستان.
غير أن أعظم مآثر صحيفة عزام، هي عطاؤه السخي النفيس للثقافة العربية والإسلامية، الذي يمثل مكتبة غنية من البحوث والمؤلفات والمترجمات والتحقيقات والإبداعات، يتصدرها كتابه الرائع «محمد إقبال: سيرته وفلسفته وشعره»، وترجماته البديعة للكنوز إقبال مثل: ديوان «رسالة المشرق» عن الفارسية، و«شرب الكليم» عن الأردية، و«الأسرار والرموز»، إضافة إلى «جهار مقالة»، وقطوف من الشعر الفارسي والشعر التركي، وفصول من المثنوى.
ومن مؤلفاته: «مدخل الشاهنامة العربية للبنداري»، و«الرحلات»، و«الشوارد»، والنفحات«، و«خاطرات»، ومنظومة «اللمعات»، و«الأوابد»، و«المعتمد بن عباد»، و«الأدب الفارسي»، و«التصوف وفريد الدين العطار».وفي الشعر الصافي، صفاء روحه، قدم عبدالوهاب عزام ديوانه «المثاني»، الذي حلق فيه «بلا حدود» في أجواء روحية وإنسانية تشير إلى توأمة روحه وروح إقبال:
من حفيف النسيم والأشجار
وتناجي الغصون والأطيار
وخفوق من القلوب خفي
صاغ قلبي بدائع الأشعار
نحن في ذي الحياة ركب سفار
يصل اللاحقين بالماضينا
قد هدانا السبيل من سبقونا
وعلينا هداية الآتينا
عبدالوهاب قتاية
