أكد د. أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق أن استعادة المسلمين لمكانتهم لن تكون إلا بالاستعانة بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله والاقتداء به والعمل بما جاء به الدين الحنيف مع الاستعانة في كل ذلك بمنجزات العصر العلمية التي تتفق مع مبادئ الإسلام.
وأرجع سوء فهم العرب لموضوع الجهاد في الإسلام إلى عدم تمييزهم بين موقف الإسلام ذاته وتصرفات بعض المسلمين، إضافة إلى النشاط الفاعل للإعلام الصهيوني في الغرب ورأيه في تشويه الحقائق والإساءة إلى الإسلام، موضحاً أن دور علماء الإسلام للرد على هذه الافتراءات يجب أن يعتمد على كل مقدرات العصر من وسائل اتصالات حولت العالم إلى ما يشبه القرية الصغيرة.
وأشار د. عمر هاشم إلى أن ارتباط السامية باليهود فقط شيء غير منطقي وغير صحيح، وهو زيف من الدرجة الأولى لأن العرب كما هو ثابت تاريخياً ينتمون لسام بين نوح، الذي ينسب إليه الجنس السامي، فكيف إذن يعادي العرب السامية. * ارتبط في أذهان الغرب مفهوم خاطئ عن الإسلام وقرنوا الإسلام بالإرهاب، فكيف نصحح الصورة الحقيقية للجهاد في الإسلام الذي يراه البعض عدوانا؟ــ إن موضوع الجهاد في الإسلام مفهوم بصورة خاطئة تماما لدى غير المسلمين.. لأن الإسلام لم يدع أبدا للحرب إلا للدفاع عن الحقوق وحماية المقدسات والأعراض والحرمات.. في مواجهة الظلم والاعتداء من قبل الآخرين.. بل إن الإسلام في حالة رد العدوان يشترط المثلية في الرد دون تجاوز أو إفراط في الاعتداء وقد اعتمد خصوم الإسلام على بعض التجاوزات التي وقعت من بعض حكام المسلمين في فترات تاريخية مختلفة واعتبروها ممثلة للموقف الإسلامي من الحرب .
وهذا ليس إنصافا فنصوص القرآن والسنة الصحيحة تدعو إلى التعايش السلمي مع من يختلفون مع المسلمين في عقيدتهم وتحث على معاملتهم والحوار معهم، ليظل السبب الرئيسي في سوء فهم موضوع الجهاد هو عدم التمييز بين موقف الإسلام ذاته وبين تصرفات بعض المسلمين.. ويبقى سبب جوهري آخر هو النشاط الفاعل للإعلام الصهيوني في الغرب ودأبه على تشويه الحقائق والإساءة للإسلام إذ لا يعقل أن يصور هذا الإعلام الشباب الفلسطيني الذي يقدم روحه رخيصة في سبيل الله بأن ذلك إرهاب.. وفي غفلة من عدم وجود إعلام مضاد للمسلمين يفند هذه المزاعم. فقد تشبع الغرب وأميركا بكل ما يقوله الإعلام الصهيوني واعتبروه هو الحقيقة وإن كانت حقيقة زائفة..
قرية صغيرة
* في ظل هذا الفهم الخاطئ لجوهر الإسلام ما هو المطلوب من علماء المسلمين القيام به؟
ــ ربما كان الأمر صعبا بعض الشيء في السابق ولكنه اليوم وبعد أن أصبح العالم قرية صغيرة بفضل المحطات الفضائية وشبكة الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال فإنه أصبح من السهل على علماء الأمة أن يتوجهوا إلى العالم حاملين الفهم الصحيح لجوهر الدين الإسلامي ــ وأنه من أعظم الحضارات الإنسانية التي شهدها التاريخ وفتح باب الحوار بين الحضارات..
وهو عمل يحتاج إلى جهود كبيرة في التحضير والإقناع ولكنه من السهل الآن.. وكما دان الإعلام الغربي للصهيونية فترات طويلة فإن عليه الآن أن يستمع لصوت الحق وهو الإسلام وفهم حقيقته وجوهره كما يأتي ذلك عن طريق الدعوة الإسلامية التي يمارسها الدعاة في كافة أنحاء العالم.
* هناك اتهام آخر من قبل الغرب للمسلمين بأنهم متخلفون، فهل هناك علاقة بين الأديان والتخلف الحضاري؟
ــ ليكن واضحا أن تخلف المسلمين في العصور الأخيرة لا يرجع أبدا إلى الإسلام، ولكنه يرجع في المقام الأول والأخير إلى البعد عن منهجية الإسلام وحقيقته وعدم فهمها فهما صحيحاً، وإلا فبم تفسر تلك الحضارة التي نشرت شمسها على ربوع الأرض قاطبة في عهد الدولة الإسلامية والخلفاء الراشدين في وقت كان يغط في العالم من سُبات عميق .
ولكني أستطيع أن أجد عدة عوامل تقف وراء تخلف المسلمين عن الركب وهذه العوامل لا يصعب على العاقل أن يحددها، أما الحضارة الحديثة فلها إيجابيات وسلبيات.. والإسلام يرفض كل سلبيات هذه الحضارة المادية.. فهو ضد الانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري والبطالة والإدمان والتلوث وجنون التسلح، أما إيجابيات هذه الحضارة..
فإن الإسلام يدعو إليها بشدة منذ مئات السنين وأهمها طلب العلم وإتقان العمل وتنظيم الطاقات واحترام الوقت والديمقراطية بل إنه يزيد على هذا كله بإعداد الفرد ليكون مؤمنا بالله وعضوا صالحا في المجتمع، ومظاهر التخلف والتقدم في العالم لا تتعلق بالدين وإلا بماذا تفسر تقدم اليابانيين وهم لا يدينون بأي دين أو بغير دين سماوي وكذلك الصينيون.
افتراء وكذب
* كيف ترد على هؤلاء المتشككين في أن الدين الإسلامي لا يسمح بإعمال العقل وأن مساحة الحرية به محدودة؟
ــ ما يروجه البعض من الغرب هو محض افتراء وكذب على الدين الإسلامي الذي اعتبره الدين الوحيد الذي أعطى للعقل مساحة من الحرية لا تحدها حدود.. لأن العقل في الإسلام هو مناط التكليف وبه يعرف الإنسان خالقه ويدرك أسرار الكون وعظمة الخالق كما أن القرآن عندما يخاطب الإنسان فإنه يخاطب فيه عقله ويحثه على النظر في آيات الله من حوله والتأمل فيها ودراستها من أجل خير البشرية ماديا ومعنويا..
وليس في الإسلام ما يناقض العقل أو يصطدم مع الفكر السليم أو حقائق العلم بل إن ما يتوصل إليه العلم هذه الأيام وبعد 14 قرنا من الزمان ليثبت أن الإسلام هو منبع العلم وأصل الحضارات وأن ما سعوا إلى تحقيقه بعد هذه الفترة الطويلة موجود في القرآن وهذا يؤكد عظمة هذا الدين.
وقد طلب الإسلام من الإنسان ضرورة استخدام عقله وعاب على الذين يعطلون قواهم الإدراكية ويصفهم بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها ولهم أعينا لا يبصرون بها وشبههم بالأنعام بل هم أضل، أما ما يتصل بالنصوص الدينية في الإسلام فهي ملزمة للمسلم فيما يتصل بالأصول والتشريعات الدينية ولكنه ترك للمسلم حرية الاجتهاد في أمور الدنيا، إذن فمساحة حرية الفكر والبحث العلمي مساحة واسعة في الإسلام ومكفولة لكل مسلم.
* وكيف يستعيد المسلمون نهضتهم ومكانتهم؟
ــ لن يأتي ذلك إلا بالاستعانة بكتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به والعمل بما جاء به الدين الحنيف مع الاستعانة في كل ذلك بكل منجزات العصر العلمية التي تتفق مع مبادئ الإسلام أي الجمع بين الجوانب الروحية والدينية والعلمية التطبيقية في الإسلام والحياة وما ينفع المسلمين ونحن مطالبون بل إنه لفرض عين على كل مسلم بتحصيل ما فاتنا من العلوم التي من شأنها أن تسهم في استعادة صرحنا الحضاري من جديد مع عدم إغفال أمور ديننا الحنيف.
* وماذا عن الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني الأعزل؟
ــ إسرائيل حاولت استغلال ما حدث للولايات المتحدة الأميركية في الأحداث الإرهابية التي هزت العالم في 11 سبتمبر 1002م أسوأ استغلال فحاصرت القرى وأعادت احتلالها عدة مرات وضيقت الخناق على الشعب الفلسطيني الذي يعاني المشكلات وآخرها الصراع بين حماس وفتح.
ومن ثم وحده أعزل في مواجهة ترسانة هذا العدو الغاشم، وما فعله «شارون» هو امتداد لتاريخه القذر الملطخ بدماء الأبرياء بدءا من صابرا وشاتيلا وغيرها من المذابح التي راح ضحيتها العديد من المدنيين الأبرياء، وهكذا يسير خلفه ألمرت على نفس الخطى. ولكن صمود الشعب الفلسطيني كشف للعالم كله عن الشجاعة.
حيث يقدمون أرواحهم فداءً لدينهم ومقدساتهم لا يرهبون الترسانة العسكرية والقنابل التي تتساقط على رؤوسهم ليل نهار، ورغم تساقط الشهداء فإن الآلاف من الشباب الفلسطينيين يتقدمون حاملين أرواحهم طلبا للشهادة في سبيل الله، وفي المقابل كشفت انتفاضة هذا الشعب أيضا عن حقارة ووضاعة سلطات الاحتلال التي تستخدم كل وسائل الإرهاب ضد المدنيين العزل .
وهذا ما سوف يسجله التاريخ، ليحكي للعالم عن بني إسرائيل الذين تفوقوا على كل الأمم والشعوب في العدوان والإجرام والإرهاب وعلينا كمسلمين وعرب أن نؤازر إخواننا في فلسطين بكل دعم مادي وجسماني وأن نكون كما طلب منا الإسلام كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، ودماء المسلمين الذين استشهدوا في هذه الانتفاضة لن تضيع هباءً.
مسؤولية إسلامية
* وكيف الطريق إلى القدس؟
ــ القدس ليست مدينة فلسطينية فقط ولكنها مدينة إسلامية عربية وللمسجد الأقصى ارتباط وثيق بعقيدة المسلمين فهو مقر العبادة ومهبط الوحي ومنتهى رحلة الإسراء والمعراج، ومن هنا فإن تحرير القدس ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم وليس مسؤولية العرب وحدهم.. بل هو مسؤولية كل المسلمين وواجب الأمة أن تدعم بالمال والسلاح أهل القدس لتحرير بلدهم ويجب على المسلمين أن يعرفوا أن الطريق إلى القدس ليس مفروشا بالورود وإنما ينتظر صلاح الدين آخر لتحريرها.
والمسلمون اليوم يمتلكون الكثير والكثير من مصادر القوة ويستطيعون إن اتحدوا أن يرهبوا أكبر قوة في العالم، وإننا على قناعة أن طاقات الجهاد في نفوس المسلمين والتي رأينا جوانب مشرفة منها في انتفاضة الأقصى تزداد أكثر في التوحد تحت راية القرآن وفي ظل عقيدة إسلامية صحيحة.
* ماذا عن رؤيتكم لما فعله أحد الحاخامات اليهود مؤخراً حينما سب العرب وقال: إن الله ندم على خلقهم؟
ــ كيف يندم الله على خلق خلقه، فهو نقص والله كامل منزه عن النقص، لذلك فإن هذا الحاخام كاذب وقوله لا أساس له من الصحة فالله قد خلق العرب، وهو يعرف أنه ربهم ورازقهم ومدبر أمورهم، علاوة على أنه اصطفى منهم خاتم المرسلين ومعلم الحكمة المصطفى صلوات الله عليه. فليأتي هذا الحاخام بلفظ سماوي يؤكد على أن الله قد ندم على فعل قد فعله، حتى يندم على خلق العرب أصحاب الفضيلة والأخلاق.
* أيضا يدعي اليهود دوماً بأن العرب أعداء للسامية، فما ردكم؟
ــ العرب ينتمون لسام بن نوح الذي ينسب إليه الجنس السامي، وفي رأيي أن ارتباط السامية باليهود فقط شيء غير منطقي وغير صحيح، وهو زيف من الدرجة الأولى، ويكفي ما قصه القرآن الكريم عنهم في محكم آياته «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنَّا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون»، وغيرها من الآيات السماوية التي توضح ما فعله اليهود وما يدعون.
* البعض يصف العمليات التي يقوم بها الفلسطينيون بأنها انتحار فهل تتفق مع هؤلاء في الرؤية؟
ــ لا بالطبع فما يفعله الفلسطينيون إنما يهدف إلى التحرر والدفاع عن النفس والوطن، ولذلك فهو جهاد في سبيل الله، وأي شيء يقال في وصفه غير ذلك يعد مجرد زيف من بعض أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها اليهود للتشويش على الإجرام الذي يقومون به ضد الفلسطينيين ومقدساتهم.
تضامن!
* وماذا فعلت الجامعة لتصحيح صورة الإسلام في الغرب؟
ــ الغرب لا يزال يفهم الدين الإسلامي بشكل غير صحيح، فهو ينظر إليه على أنه دين متشدد مرتبط بالإرهاب، وربما يرجع هذا إلى بعض الأحداث التي نسبها البعض خطأ إلى الإسلام، وقد حاولت جامعة الأزهر جاهدة تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة عن طريق عقد اتفاقية علمية وتعاون مشترك مع جامعات غربية عديدة منها على سبيل المثال فلورانسا في إيطاليا، وأكاديمية النمسا في النمسا، والجامعة الأميركية المفتوحة وفي الطريق جامعات أخرى، وتستهدف الاتفاقيات ضمن ما تستهدف تقديم صورة صحيحة.
* ما تعليقك على ما يردده البعض من آن لآخر بأن الإسلام لم يراع حقوق المرأة؟
ــ هذه صورة افترائية على الإسلام، ومن يقول هذا إما أنه لا يدرك عمق الدين الإسلامي أو تعاليمه، أو أنه عدو صريح للإسلام، فقد كانت المرأة تباع وتشترى قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام أصبحت لديها حقوق لا حصر لها منها في الميراث، وأن لا يفرض عليها زوجاً لا ترغبه، وأن تجاهد في سبيل الله مثلها مثل الرجل بل إنها في بعض العصور الإسلامية جلست على كرسي الحكم، وأتحدى أن نجد تكريما للمرأة في أي دين مثلما جاء به الإسلام.
* كيف ينظر الإسلام إلى ألوان الإبداع بمختلف أشكاله؟
ــ أي إبداع خارج عن الإسلام وتعاليمه هو إبداع زائف.. كما أنه تنطع وتحلل وانحراف، فالإسلام يشجع على الثقافة والتحضر، بشرط أن يتوافق مع الثوابت الدينية التي لا خلاف عليها.
* ماذا عن رؤيتك لمستقبل المسلمين في ظل التحديات المفروضة عليهم؟
ــ سيأتي يوم تتوحد فيه كلمة المسلمين، وتكون فيه أمتنا الإسلامية أقوى الأمم بما تملكه من مقومات الريادة والقيادة في العالم، باعتبارها الأمة الوسط والشهيدة على الأمم السابقة.


