كان الدكتور إسماعيل سراج الدين هو الذي قال إن كل عمل معماري هو عبارة عن فعل متعمد لتغيير البيئة، حيث أن أي بناء له مضمون مادي يمكن من خلاله رؤية البناء وكذلك فهمه وتقويمه، وبالتالي يمكن تطوير مجموعة من المعايير تأخذ في الاعتبار خصائص المكان الطبوغرافية والمناخ والمواد والإنشاء والنسب والبيئة المادية المحيطة، سواء الطبيعية أو التي هي من صنع الإنسان، وذلك من أجل تقويم النوعية المعمارية للبناء والتي تفوق مجرد توفير حل للاحتياجات الوظيفية لمشكلة معينة.

وما يقدمه لنا الدكتور سراج الدين هو مجموعة من الأدوات ذات الأهمية البالغة في تحقيق رؤية نقدية للبناء.ولكن في السياق المسجدي فإن البناء يغدو شيئاً آخر مختلفاً تماماً، إنه لا يعود اجتيازاً للفراغ، وإنما يغدو احتيازاً جمالياً لفراغ قدسي، ينتهي بك في النهاية حتماً إلى بناء بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.هكذا فإن المسجد، مهما كان حجمه صغيراً، لا بد أن يلبي شروطاً فقهية قبل أن يستجيب للجوانب الوظيفية والصفات الجمالية.

ولا حصر للمرات التي مضيت فيها، على قدميّ، في مدن الناس وبلادهم، أتأمل على سبيل المثال كيف حقق معماري ما التناغم بين ضوابط توجيه المسجد وبين الاتجاهات الرئيسية للنسيج الحضري الذي شيد فيه هذا المسجد.من المساجد التي يتوقف المرء طويلاً في الإمارات أمامها مستحضراً هذه المعاني كلها مسجد الشيخ عيسى بن زايد آل نهيان في مدينة العين، وهو مسجد لا يمكن وصفه إلا بأنه نسيج وحده.

العين نفسها بيئة فريدة، على الصعيد المعماري، فهي منذ القديم تموج بتيارات وتأثيرات تجمع بين الداخل العربي الصميم، والخارج الساحلي الحافل بالحرص على تبني الجديد.هذا المسجد الجامع الكبير الرحب لا يمكن أن تخطئ العين التقاليد المعمارية الشامخة التي التقته في رحابه، فكتلته المعمارية تعكس الاستطالة التقليدية، لكنها تضم أيضاً تلك الجنبات الظليلة بمداخلها وعقودها الحديدية الفريدة وأعمدتها الرشيقة.

أين رأيت هذه العقود والأعمدة لآخر مرة وعتها ذاكرتك؟ ربما في إحدى قاعات قصر الحمراء؟ لا أدري. ربما إذا كنت أنت تدري فبادر إلى مساعدة ذاكرتي التي أوهنها كر الأيام وفرها.

خلاف لمعظم مساجد أبوظبي والعين فهناك مئذنتان فقط، وليست أربع مآذن في هذا المسجد، وهما تجمعان بين الرشاقة والطول المتناسب مع كتلة قاعة الصلاة الرئيسية وعليك بملاحظة شرفاتهما المتعددة التي تزنرها صفوف متتالية من المقرنصات البديعة.

مثل هذا الإنشاء البديع كان لا بد له من مشروع زخرفي لا يقل عنه شموخاً.

لكنك قبل أن تنشغل في تأمل تفاصيله، فإنني أدعوك إلى تأمل توظيف المعماري لمفهوم العقود المستقيمة كأداة للحمل بهدف تقليل الأعمدة الحاملة للسقف عبر تيجانها إي أقل عدد ممكن.

في غضون ذلك لن تملك إلا التوقف طويلاً عند توظيف المداخل العديدة البديعة التي تنهل منها الإضاءة الطبيعية، ومنها النوافذ ذات العقود الحدوية. التي تحف بها الحشوات الزخرفية والهندسية.

وفي كل الأحوال لا بد لك من التوقف طويلاً عند حائط القبلة حيث التخلص البديع وصولاً إلى القياس الإنساني للمحراب عبر سلسلة متدرجة من الأطر الزخرفية والحشوات النمطية، انتهاء بالزخارف النباتية.

كامل يوسف- تصوير: ناصر