يعد الشيخ أبو العينين شعيشع نقيب قراء القرآن في مصر، من رواد قراء مصر الذين لعبوا دورا متميزا على صعيد التفنن في مجال الابتهال، فما تركه من ابتهالات أمر يؤكد على قدراته الموسيقية الفائقة، ربما تكون نتجت عن هذه العلاقة الوثيقة التي ربطته بمشاهير الموسيقى أمثال رياض السنباطي ومحمد عبدالوهاب وغيرهم.

ولد الشيخ أبو العينين شعيشع قارئ مسجد السيدة زينب رضي الله عنها ونقيب قراء جمهورية مصر العربية وصاحب الابتهالات الرائعة في الثاني عشر من شهر أغسطس عام 1922م بمدينة بيلا محافظة كفر الشيخ في أسرة كبيرة العدد متوسطة الدخل بعد أن رزق الله عائلها وربها بأحد عشر مولودا، ورحل الوالد كما توقع قبل أن يطمئن على مستقبل أبنائه وتركهم صغارا في مراحل مختلفة تحتاج إلى ولي أمر يتولى المسؤولية كاملة.وهكذا كان هذا الطفل غير المرغوب في إنجابه من الوالد والوالدة. العائل لهذه الأسرة مع أنه أصغرهم. يقول الشيخ أبوالعينين شعيشع: كانت ولادتي غير مرغوب فيها لأنني كنت الابن رقم 12، ووالدتي كانت تفعل المستحيل للتخلص مني، ولكني تشبثت بها حتى وضعتني، وذلك لحكمة يعلمها الله حيث كنت فيما بعد مسؤولاً وسبباً في إطعام كل هذه الأفواه في ذلك الحين.

كتاب بيلا التحق شعيشع بكتاب بيلا، وهو في سن السادسة وحفظ القرآن قبل سن العاشرة، ألحقته والدته بالمدرسة الابتدائية لكي يحصل على شهادة كبقية المتعلمين من أبناء القرية، ولكن الموهبة تغلبت على رغبة الوالدة، فكان يخرج من المدرسة، ويحمل المصحف إلى الكتّاب ولكنه كان حريصا على متابعة مشاهير القراء فكان يقلدهم ساعده على ذلك جمال صوته وقوته ورقة قلبه ومشاعره وحبه الجارف لكتاب الله وكلماته. فشجعه ذلك وساعده على القراءة بالمدرسة أمام المدرسين والتلاميذ كل صباح وخاصة في المناسبات الدينية والرسمية التي يحضرها ضيوف أو مسؤولون من مديرية التربية والتعليم فنال إعجاب واحترام كل من يستمع إليه. وفي عام 1936م، دخل الشيخ أبو العينين دائرة الضوء والشهرة من أوسع أبوابها عندما أرسل إليه من قبل مدير مديرية الدقهلية أي المحافظ يدعون لافتتاح حفل ذكرى الشهداء بمدينة المنصورة، وذلك عن طريق أحد كبار الموظفين من بيلا، والذي قال لمدير مديرية الدقهلية آنذاك:

فيه ولد عندنا في بيلا يضارع كبار القراء وفلته من فلتات الزمن وبيلبس بدلة وطربوش ومفيش بعده كده حلاوة، وذهب إلى المنصورة، وكانت المفاجأة التي لم أتوقعها في حياتي وجدت أكثر من 4 آلاف نفس في مكان الاحتفال فقلت: معقول أقرأ أمام هذا الجمع؟ ويواصل شعيشع: كان سني وقتها 14 سنة وخفت وزاد من هيبتي للموقف أنني رأيت التلاميذ في مثل سني يتغامزون ويتلامزون لأنني في نظرهم ما زلت طفلاً فكيف أستطيع أن أقرأ وهو حفل لتكريم الشهداء.

وقرأت الافتتاح والختام وفوجئت بعد الختام بالطلبة يلتفون حولي يحملونني على الأعناق يقدمون لي عبارات الثناء، فلم أستطع السيطرة على دموعي التي تدفقت قطرة دمع للفرحة تدفعها أخرى لأن والدي مات ولم يرني في مثل هذا الموقف. وتوالت الدموع دمعة الحزن تدفع دمعة الفرح، وهكذا حتى جف الدمع لكي أبدأ رحلة على طريق الأمل والكفاح الشريف متسلحاً بسيف الحياء والرجاء آملاً في كرم الكريم الذي لا يرد من لجأ إليه.

مرحلة النضوج

بعد هذا الموقف الذي دفع شعيشع إلى مرحلة النضوج، إلا أن حدثت حالة وفاة تهم أحد أبناء بلدته بيلا، وكان المتوفى هو الشيخ الخضري شيخ الجامع الأزهر آنذاك، فأشار أحد علماء بيلا على الشيخ أن يذهب معه إلى القاهرة، ليقرأ في هذا العزاء الذي أقيم بحدائق القبة، وجاء دوره وقرأ وكان موفقاً فازدحم السرادق بالمارة في الشوارع المؤدية إلى الميدان، وتساءل الجميع من صاحب هذا الصوت الجميل؟

وبعد أكثر من ساعة صدّق الشيخ أبوالعينين ليجد نفسه وسط جبل بشري تكوّم أمامه لرؤيته ومصافحته إعجاباً بتلاوته وبعد هدوء عاصفة الحب جاءه شيخ جليل وقبّله، وهو الشيخ عبدالله عفيفي رحمه الله، وقال له: لا بد أن تتقدم للإذاعة لأنك لا تقل عن قرائها بل سيكون لك مستقبل عظيم بإذن الله، وكان الشيخ عبدالله عفيفي وقتها إماماً بالقصر الملكي وله علاقات طيبة بالمسؤولين.

ولما طلب منه المرحوم الشيخ عبدالله عفيفي أن يذهب معه إلى مدير الإذاعة، لم يتردد احتراما لرغبته، لأننا أيامها لم يحدث أننا حرصنا على الالتحاق بالإذاعة. لأن القارئ زمان كان نجماَ بجمهوره ومستمعيه وحسن أدائه وقوة شخصيته وجمال صوته وكنا مشغولين بشيء واحد، وهو كيف يقرأ الواحد منا بجوار زميله، ويستطيع أن يؤدي بقوة لمدة طويلة قد تصل إلى أكثر من ساعتين متواصلتين من غير أن يدخل الملل في نفس المستمع.

لأننا كنا نحترم المستمع والجمهور. كما لو أننا نقرأ أمام الكعبة أو بالروضة الشريفة وكان القارئ منا عندما يستمع إلى أصحاب الفضيلة بالراديو أمثال الشيخ رفعت والشيخ الصيفي والشيخ علي محمود والشعشاعي، كان يسعد سعادة لا حدود لها، ويحلم بأن يكون مثلهم وعلى قدر التزامهم بأحكام وفن التلاوة، مدارس في الأداء وبالفعل تقدم شعيشع للاختبار وجاءه.

وبعد عدة أيام جاءه خطاب اعتماده كقارئ بالإذاعة، وكان أول موعد قراءة له على الهواء، حيث عكف على القراءة والآذان على الهواء، وبدأت شهرته تعم الأقطار العربية والأجنبية عن طريق الإذاعة، التي التحق بها عام 1939م. وبعد التحاقه بالإذاعة، تدفقت عليه الدعوات من الدول العربية الإسلامية، لإحياء ليالي شهر رمضان بها ووجهت له دعوة من فلسطين، ليكون قارئاً بإذاعة الشرق الأدنى.

ثم جاءته بعد ذلك دعوة عاجلة من السفير العراقي بالقاهرة لإحياء مأتم الملكة عالية ملكة العراق بناء على رغبة من القصر الملكي، الذي أرسل إلى السفارة بطلب القارئ الشيخ أبوالعينين شعيشع والقارئ الشيخ مصطفى إسماعيل فوافق وبحث عن الشيخ مصطفى كثيراً فلم يجده، فسافر مع المقرئ الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي على الرغم من أن العلاقة كانت مقطوعة مع العراق في ذلك الوقت، إلا أن السيد فؤاد سراج الدين وزير الداخلية آنذاك سهل الإجراءات وتم السفر. هكذا سافر الشيخ أبوالعينين شعيشع إلى معظم دول العالم.

وقرأ بأكبر وأشهر المساجد في العالم أشهرها المسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى بفلسطين والأموي بسوريا ومسجد المركز الإسلامي بلندن. وأسلم عدد غير قليل تأثراً بتلاوته، ولم يترك دولة عربية ولا إسلامية، إلا وقرأ بها أكثر من عشرات المرات على مدى مشوار يزيد على ستين عاما قارئاً بالإذاعة.

يرى الشيخ شعيشع أن القراء القدامى لن يعوضوا ولن يجود الزمان بمثلهم، لأنهم كانوا مدارس في الأداء لن تتكرر مرة أخرى، وأن ضعف مستوى القراء في الوقت الحاضر يرجع إلى طغيان الماديات وتنافس القراء على الأموال وجهلهم بطرق الأداء والمقامات الموسيقية، ومن ثم كثيرا ما يلجأ إلى نصح القراء الجدد بأن يذهبوا للموسيقيين المتخصصين في الموسيقى؛ ليتعلموا المقامات الموسيقية، حتى يعرفوا كيف يؤدون القرآن، وكيف ينتقلون من قراءة إلى أخرى.