وهل غير العربية الجميلة أم للغات سواها؟ انها بالفعل هي الأم وهي السيدة وكيف لا تكون كذلك وهي لغة التنزيل، ولسان العرب، والتنزيل هو القرآن كتاب الرسالة الخالدة التي هي للعالمين جميعاً وقد تحدى المولى به العرب أهل هذه اللغة العربية الذين وجدوا فيه الإعجاز اللغوي.

فمن خالفه لم يفعل ذلك إلا عناداً وكبراً. لغة قال فيها الشعراء الشيء الكثير قال حافظ إبراهيم من قصيدة طويلة على لسانها:أنا البحر في أحشائي الدر كامنفهل سألوا الغواص عن صدفاتي؟وفيها يقول:وسعت كتاب الله لفظاً وغاية-وما ضقت عن آي به وعظات-وكان لا بد لنا ـــ ونحن في شهر القرآن ـــ أن نتنسم نفحة من نفحات هذه اللغة العظيمة ولا ننسى ذلك في غمرة تنقلنا بين هذه النفحات الإسلامية الطيبة. ونقف وقفة ولو عجولة مع ابن الانباري أبي بكر محمد بن القاسم في كتابه «الزاهر في معاني كلمات الناس» وهو من الكتب القيمة وضع يدي عليه محمد سيد جاد الحق ـــ عليه رحمة الله ـــ الذي كان موسوعة في المكتبة العربية ما سألته عن كتاب إلا وأفادني عنه وقد أفدت منه كثيراً فالفضل ينسب لأهل الفضل.

ولد أبو بكر في الأنبار سنة 271هـ في الأنبار وإليها نسب فلقب بـ «الانباري» وتوفي في بغداد سنة 328هـ عن عمر لم يتجاوز السابعة والخمسين وقد رصدت له نحو خمسين من المصنفات المطبوعة والمخطوطة وقيل انه كان ذكياً فطناً عرف بكثرة حفظه، ولم يكن ــــ كما قيل ـــ يميل إلى اللهو ومتع الحياة.

بل كان منصرفاً إلى العلم، ولم يكن يكثر من الأكل وعندما سئل عن ذلك قال: أبقي على حفظي، وقد أثر عنه انه كان كثير الحفظ للحد الذي يعتبر أنه مبالغ فيه. ودعونا بعد ذلك نتجول في كتابه «الزاهر». ونبدأ بما بدأ هو في كتابه المشار إليه وهو قول الناس: حسبنا الله ونعم الوكيل.

يقول الأنباري: حسبنا الله: أي كافينا ومن ذلك قوله تعالى: «يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين» سورة الأنفال الآية 64، والجدير بالذكر أن «حسبنا الله ونعم الوكيل» وردت في الآية 173 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل» وفي قوله تعالى: «جزاء من ربك عطاء حسابا» سورة النبأ الآية 36 يقول الأنباري معناه عطاء كافياً، ويضيف: يقال: أحسبني الطعام يحسبني إحساباً: إذا كفاني، قالت الخنساء:

يكبون العشار لمن أتاهم

إذا لم تحسب المائة الوليدا

معناه: إذا لم تكف المائة. أما قولهم: ونعم الوكيل: يقول الأنباري: قال الفراء: الوكيل: الكافي، وقال آخرون الوكيل: الرب، ومعنى قوله تعالى: «ألا تتخذوا من دوني وكيلا» سورة الإسراء الآية 2. أي ألا تتخذوا من دوني رباً، وقال بعض علماء اللغة: الوكيل: الكفيل.

وفي قولهم: لا حول ولا قوة إلا بالله، معناه: لا حيلة ولا قوة إلا بالله. قال الأنباري: والحول: الحيلة يقال: ما للرجل محال، بكسر الميم وبفتحها، فإذا كانت الميم بالكسر فالمعنى: ما له مكر ولا عقوبة، من قوله: «وهو شديد المحال» سورة الرعد الآية 13 معناه شديد المكر والعقوبة. قال نابغة بني شيبان:

إن من يركب الفواحش سراً

حين يخلو بسره غير خال

كيف يخلو وعنده كاتباه

شاهداه وربه ذو محال

ويقولون: المحال مأخوذ من قول العرب: مر محل فلان بفلان: إذا سعى به إلى السلطان وعرضه لأمر يوبقه ويهلكه فيه. ومن ذلك قولهم في الدعاء: اللهم لا تجعل القرآن بنا ماحلاً، أي: لا تجعله شاهداً بالتقصير والتضييع علينا. ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القرآن شافع مشفع، وماحل مصدق، فمن شفع له القرآن يوم القيامة نجا، ومن محل به القرآن كبه الله على وجهه في النار» معناه: من شهد عليه القرآن، بالتضييع والتقصير. قال أبو بكر:

وإذا قالت العرب للرجل: ما له محال بفتح الميم فمعناه: ما للرجل حول.

وقولهم: اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب ومن الحَوْر (بفتح الحاء وتسكين الواو) بعد الكور (بفتح الكاف وتسكين الواو) والقول حديث شريف. قال أبو بكر: وعثاء السفر: شدة النصب والمشقة، وكذلك هو في الاثم. قال الكميت:

فأين ابنها منكم ومنا وبعلها

خزيمة والأرحام وعثاء حوبها

يريد: في قطيعة الرحم مأثم شديد، وأصل الوعثاء من الوعث وهو الدهس، والمشي يشتد فيه على صاحبه، فصار مثلاً لكل ما يشق على فاعله وكآبة المنقلب: ان يرجع المسافر من سفره إلى منزله بأمر يكتئب منه أو أن يرى ما يسوؤه ويغمه ويحزنه.

والحور بعد الكور: قال أكثر أهل اللغة: يعني النقصان بعد الزيادة.

ونكتفي بهذا القدر من كتاب الزاهر في معاني كلمات الناس لنتطرق إلى بعض الأخطاء في استعمالاتنا اللغوية فقد تعود كثير من الناس إدخال «ال» التعريفية على «غير» في حالة الإضافة كأن يقول لك أحدهم:

«من الغير ممكن تصديق هذا القول» والصحيح أن يقول: «من غير الممكن». قال أهل اللغة: غير كلمة موغلة في الإبهام ولا تفيدها إضافتها تعريفاً ولا يوصف بها إلا نكرة. وقالوا: كما لا تعرف بالإضافة فإنها كذلك لا تعرف بدخول «ال» عليها. قال تعالى في سورة الفاتحة: «غير المغضوب عليهم ولا الضالين» وعجبت كيف نردد ذلك في صلواتنا ولا نلتزم به في استعمالاتنا؟

وهناك (سواء) المقصود بها التسوية ويأتي بعدها همزة التسوية، ولا بد مع همزة التسوية من «أم» نحو قوله تعالى: «سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم» سورة البقرة الآية 6 ويخطئ من يأتي بـ «أو» مكان «أم» وذلك نجده يحدث كثيراً حتى من علماء وأساتذة فأصبح خطأ شائعاً.

ومن الأخطاء التي أصبحت على كثير من الألسنة استعمال «ما» مع الفعل المضارع «يزال» فيقولون «ما يزال هذا الأمر معلقا» ويستعملون «لا» مع الفعل الماضي «زال» فيقولون «لا زال هذا الأمر معلقاً» والمفروض أن يكون الأمر على عكس ذلك، أي أن نقول «لا يزال كذا» ونقول «ما زال كذا» والشواهد على ذلك قرآنية فارجعوا لها بتدبر.