إن الاعتكاف يناديكم، وأنتم ساهون لاهون في ناديكم. ألم يبلغكم أن البشير النذير، والسراج المنير محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف في عشري الأواخر، ويأمر صحابته رضي الله عنهم؟ فهو لزوم المسجد للعبادة، والاشتغال بها، والانقطاع إليها.
ففي الصحيحين: أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف في المسجد. فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلاً. فقام النبي صلى الله عليه وسلم ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة. فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار.
فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم أسرعا، وفي رواية تواريا: أي حياء من النبي صلى الله عليه وسلم لكون أهله معه، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية بنت حيي فقالا: سبحان الله يا رسول الله وكبر عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً، أو قال: شرا».
أفلح المعتكفون، وخسر المتعسفون.
إنه دورة تدريبية، وفترة ترويضية، يتلقى فيها المعتكف أعظم الدروس، وأقيم الفوائد مثل: الإخلاص، والصبر، والحلم، والمجاهدة، والتحمل، والمرابطة. ومن عجب أن المعتكف قد دفع ثمن الاشتراك فيها لله رب العالمين، ورسومها هي اتباع هدي خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم.
يا نداماي صحا القلب صحا
فاطردوا عني الصبا والمرحا
هزم العقل جنوداً للهوى
سادتي لا تعجبوا إن صلحا
زجر الحق فؤادي فارعوى
وأفاق القلب مني وصحا
بادروا التوبة من قبل الردى
فمناديه ينادينا الوحا
