يتساءل وهو ينظر حوله: تُرى أين ذهب رفاق الطفولة، أولئك الذين تفتحت العيون عليهم وهو يتلقى أول معارف الحياة غير مدرك ما تخبئه الأقدار له ولهم؟

يذهب بعيدا إلى «سكيك الفريج» التي شهدت وقع خطواتهم الأولى وهم يملؤونها حركة وضجيجا يمنحانها نبض الحياة الذي يبحث عنه في شوارع الأحياء الحديثة فلا يجده رغم حركة السيارات التي لا تهدأ فيها، لكنها حركة محفوفة بالخطر الذي كثيرا ما صبغ أسفلتها بلون الدماء التي تريقها عليها.

صحيح أن «سكيك» تلك الأيام لم تكن مرصوفة ونظيفة مثل شوارع اليوم، وصحيح أن طينها وترابها كثيرا ما لطخا ملابس أولئك الصبية وأيديهم وأرجلهم، لكنه كان على أي حال أفضل من أن تتلطخ بالدماء التي تسفكها السيارات وهي تتسابق على شوارع الإسفلت النظيفة باحثة عن حتف أولئك الذين يستقلونها أو حتف من تضعهم الأقدار في طريقهم.

يبحث في زوايا الذاكرة عن تلك الوجوه التي كانت تفيض حيوية وبراءة وطيبة ويتساءل: تُرى إلى أين أبحرت بهم سفينة الحياة. وفي أي الموانئ أنزلوا حقائبهم، وهل كانت الأقدار بهم رحيمة أم أنها قد قست على البعض منهم فقضت على كل أحلام الطفولة العذراء ولم تحقق لهم شيئا منها؟

تطالعه بين فينة وأخرى وجوه بعض الرفاق الذين تبسم لهم وجه الحياة فتبوّءوا من المناصب الحكومية أرفعها، أو غدوا من رجال الأعمال الناجحين، فتغمر قلبه الفرحة ويشعر بأنه شريك في هذا النجاح الذي تحقق لهم. وتصله أخبار بعضهم الآخر ممن تجهم لهم وجه الحياة فلم يدركوا النجاح الذي كانوا يتطلعون إليه أو لم ينالوا سوى حظ قليل منه، فقبعوا في أسفل السلم راضين بنصيبهم من الحياة، أو ساخطين على الأقدار التي قست عليهم ولم يحصدوا من نعيمها ما كانوا يتطلعون إليه أو يتوقعونه.

وما بين أولئك الذين نالوا من النجاح حظا عظيما وهؤلاء الذين لم ينالوا منه إلا مقدارا ضئيلا يستعيد تلك الوجوه التي كانت تجري لاعبة لاهية لا تعرف ما ينتظرها من حظوظ الحياة ولا يشغل بالها أن تعرفه، فيتساءل مرة أخرى: تُرى لو عرف كل واحد من هؤلاء ما ينتظره من نعيم أو شقاء هل كان سيستمتع بطفولته ويعيشها بكل تلك البراءة والعفوية كما عاشها هو ورفاق طفولته الذين باعدت الأيام بينه وبين بعضهم وما زال حبل التواصل مشدودا بينه وبين البعض الآخر منهم؟

ينظر اليوم إلى وجوه الأطفال الذين يراهم حوله، لا يشغلهم سوى الاستمتاع بأوقات لعبهم. يبحث فيها عن إجابات لهذه الأسئلة التي لم تخطر على باله عندما كان في مثل سنهم فيتمنى أن لا يطرحوها على أنفسهم كي يعيشوا طفولتهم ويستمتعوا بها بعيدا عن التفكير فيما تحمله الأيام لهم، أيّاً كان شكل هذا الذي تحمله، رأفة بعقولهم الصغيرة ونفوسهم الغضة البريئة.

تتوارد الكثير من الصور التي تختزنها الذاكرة وهو يحاول استدعاء الأسماء والوجوه التي كان ذات يوم يستقبل النهار ويودع آخر خيط من خيوطه معها فيعجب أن بعضها لا يصل إليه بالوضوح الذي يتمناه أو يتوقعه، ويخشى أن يكون الوهن قد تسلل إلى الذاكرة لكثرة ما تراكم عليها من الصور والأسماء والأحداث فجعلها غير قادرة على استيعاب هذا الكم الهائل الذي تنوء به الذاكرات الإلكترونية الحديثة رغم اتساعها وقدرتها الهائلة على التخزين والاستعادة. ما بين أحلام الطفولة التي لا حدود لها وأحكام الأقدار التي لا حيلة فيها مساحة نقف عندها للتفكير في نواميس الكون التي لا نستطيع تغييرها.

aliobaid4000@yahoo.com