100 مليون نسمة هم عدد المسلمين في الصين يمثلون عشر قوميات من بين 56 قومية تقطن الأراضي الصينية. يعتبر هذا العدد أكبر تجمع للمسلمين على مستوى العالم كله، وهو تجمع له صفات وملامح وعادات خاصة للغاية يحددها الدين الإسلامي الذي دخل الصين منذ 1300عام على يد سعد بن أبي وقاص، وإذا كانت الصين عرفت العديد من الديانات السماوية مثل الديانة البوذية والمسيحية واليهودية.

إلا أن جميعها لم يترك أثرا كما ترك الإسلام، ولكن مازال المسلمون الصينيون قوة منسية ومهمشة على حافة المحيط الهادي، وفي الوقت الذي يوجد فيه العديد من الكتابات عن الصين، إلا أنها لم تتحدث بالتفاصيل عن المسلمين الصينيين وهو ما دفعنا إلى تسليط الضوء على المسلمين في الصين.يقول المؤلف د.عبد العزيز حمدي إن الصين كتلة بشرية ضخمة وكما قال عنها الكاتب د. جمال حمدان إن أبرز حقيقة عن الصين تعداد سكانها وأن الصين سكان قبل أن تكون أي شيء آخر.وتضم الصين 56 قومية وتعد قومية HAN من أكثر القوميات تعدادًا فهي تمثل 93% من إجمالي عدد السكان، وكان الصينيون قبل الإسلام مثل بقية الأمم يعتنقون الخرافات والأوهام، فكانوا يعبدون الظواهر الطبيعية ولكن سرعان ما تعرفوا على هذه الظواهر وأدركوا أن الطبيعة (الشمس والقمر والجبال والأنهار) لا تعتمد عليهم وأنها مستقلة بذاتها، وعندما عجزوا عن فهمها خضعوا لهيمنة قوة الطبيعة.

ومن هنا جاءت نشأة الأديان في الصين، وظهر نوع من الوهم الديني لديهم ومن ثم ظهرت عبادة إله الطبيعة، وشيئا فشيئا وجدوا أن السماء تمتلك السيطرة على جميع المخلوقات (في السماء والأرض) وما بينهما، وكانوا يطلقون عليها خمسة أسماء هي القبة الزرقاء والإله والقضاء والقدر، وسير الطبيعيات، وأصول الكون، وكانوا يطلقون على إمبراطور الصين ابن السماء وكثيرا ما صنع الصينيون تماثيل للسماء من الأحجار والأشجار والحديد والذهب والفضة، فكانوا يعتقدون أن الله جسم والملائكة وأنهم جميعا احتجبوا داخل السماء.

كما كانوا يعتقدون في أرواح الآباء والأجداد، وكانوا يصنعون لها التماثيل، وبعد فترة طويلة من عبادة الخرافات والتماثيل ظهرت فلسفات تحولت إلى عقائد وأديان ومن أهمها الطاوية والكونفوشيوسية..وظهرت الأولى في عهد الإمبراطور شون دي (125 - 144م) ويعتبر أتباعها أن لاوتسي الذي ولد عام 600 ق.م هو نبيهم وكتابه «الطريق إلى الأخلاق والفضيلة» هو كتابهم المقدس، أما الكونفوشيوسية فكانت فلسفة أخلاقية واجتماعية تهدف إلى رسم السلوك الأمثل للإنسان.

وجاءت لترسيخ قبضة الدولة على رعاياها، واستمرت الكونفوشيوسية حتى القرن العشرين، وحاول البعض تحويلها إلى دين ولكنها لم تنجح، كما شهدت الصين بعض الديانات الأجنبية التي تسربت إليها قبل الإسلام ومنها، المانوية والمجوسية والبوذية والمسيحية، وتشير السجلات التاريخية إلى أن المسيحية وصلت إلى الصين أول مرة عام 635م على يد رجل يدعي Olabenعرفت آنذاك باسم النسطورية، ويبلغ عدد البروتستانت في الصين الآن مليون نسمة.

(أما الديانة اليهودية فلم تترك أثرا في الحياة الدينية مثل المسيحية، لأنها دخلت إلى الصين مع قدوم اليهود ونزوحهم إليها ولم يقوموا بنشر دينهم بل كان هدفهم البحث عن مأوى وعن سبل للرزق بعد أن تقطعت بهم جميع السبل.

تاريخ الإسلام

يعود تاريخ وصول الإسلام إلى الصين إلى وسط القرن السابع الميلادي، أي منذ أكثر من 1300سنة، وتشير الأسطورة الشهيرة أن الإسلام دخل الأراضي الصينية على يد سعد بن أبي وقاص، ذلك عندما رأي الإمبراطور تاي تسونج (627 - 649م) في منامه عفريتًا ينقض عليه.

وكاد أن يفتك به، وبينما هو يطارد العفريت ظهر شيخ يرتدي جبة خضراء وعمامة بيضاء وفي يده مسبحة أنقذت حياته من هذا العفريت، وفي اليوم التالي حشد الإمبراطور وزراءه وطلب منهم تفسير رؤياه، فقال له أحدهم إن العفريت يرمز إلى وجود دسائس ومؤامرات داخل القصر وأن الشيخ المعمم هو النبي الذي بزغ نجمه في الجزيرة العربية .

وأن السلام في البلاد لن يتحقق إلا بهذا النبي، وعلى الفور أرسل الإمبراطور مبعوثًا إلى النبي محمد يطلب منه نشر الإسلام في الصين، وبالفعل أرسل النبي محمد صلى الله عليه وسلم ثلاثة من أتباعه لنشر الإسلام هناك، وتوفي منهما اثنان في الطريق، ولم يتبق سوى واحد وهو سعد بن أبي وقاص والذي ظل بالأرض الصينية حتى اختاره الله إلى جواره.

ومن أكبر القوميات المسلمة في الصين قومية هوى الناطقة بلغة هان وهي اللغة الصينية الرسمية، ومنذ بداية نشأة هذه القومية كان الإسلام عقيدة ثابتة لها، وقد أنشئ في كل حي مسجد يتولى الإمام أو الواعظ إدارة شؤونه، ويطلق عليه لقب آهونغ وكان أغلب المسلمين ينتمون إلى طائفة الصوفيين والإخوان، وكانوا يلتزمون بالأركان الخمسة في الإسلام، كما كانوا يطبقون مبدأ إحلال كل ما هو نظيف طاهر وتحريم كل ما هو قذر وفقا للقرآن الكريم لذا حرموا لحم الخنزير، وكانت قومية هوي تتمتع بنوع خاص من الأطعمة الإسلامية مثل «يوشانغ» وتعني الفطيرة المقلية.

وتحتفل القوميات المسلمة العشر في الصين بالأعياد الإسلامية وهي عيد الفطر وعيد الأضحى وذكرى المولد النبوي عن طريق إعداد الحلويات وارتداء الملابس الجديدة، ويطلق المسلمون الصينيون على عيد الأضحى عيد القربان أو عيد الإخلاص والإحسان، كما يطلقون على الاحتفال بالمولد النبوي الاحتفال النبوي وتنفرد قومية هوي بالملابس الإسلامية.

ويرتدي الشباب طاقيات سوداء عند أداء الصلاة، والمسنون طاقيات بيضاء في مناطق شمالي غربي الصين، أما المرأة المسلمة فترتدي غطاء للرأس ولا تظهر سوى وجهها وتختلف ألوان أغطية الرأس باختلاف الأعمار، فاللون الأخضر للفتيات والأبيض للكهلات والأسود للمسنات.

ويفضل مسلمون ــ قومية هوي شرب الشاي، ويطلقون على طلب اليد للزواج بالحديث عن الشاي، ويطلقون على عقد الخطبة بحجز الشاي، فضلا عن أن هدايا العريس للعروس يجب أن تشمل كميات كبيرة من الشاي، وقبل الإسلام كانوا يعتقدون أن الله سبحانه وتعالى أنزل - طفل الشاي- إلى عام البشر وخلق شجيرة للشاي، وعندما هاجمت الأمراض قرية قريبة من هذه الشجيرة، ووقع أحد المرضى مغشيا عليه بجوارها، ورأى في منامه شخصا ينصح بجمع أوراق الشجيرة وغليها وشربها فقام بجمعها وشربها ليتحقق له الشفاء، ومن وقتها أصبح الشاي مشروبا أساسيا لدى الصين.

الزواج الصيني

والزواج الصيني متأثر بنظام الزواج في الإسلام، فهو لا يتم إلا بعد الانتهاء من طلب يد وعقد القرن وقراءة الفاتحة وتوزيع الحلوى والمأكولات، وعادة يختار الصينيون يوم الجمعة لطلب اليد وعقد الخطبة والزواج، وفي الحفل يقوم العريس بنشر حبات الفول الذهبية على الضيوف، (وبالنسبة للمراسم الجنائزية فهي تتطابق مع الأحكام والشرائع الإسلامية، فهم يفضلون دفن الميت في يوم وفاته وتكفينه في قطعة قماش بيضاء.

ومن أهم ما يميز المسلمين الصينيين لغة المسجد ويطلق عليها جينغ تانغوهي مقتبسة من اللغات العربية والصينية والفارسية، ومن الكلمات العربية الله والإيمان والمسلمون ومن الكلمات الفارسية هدى بمعنى الرب، وبامداد بمعنى صلاة الفجر.

ومن الكلمات الصينية تشان توي بمعني الكون وجيوي فونغ بمعني الركوع.

من القوميات المسلمة الهامة أيضا في الصين قومية الويغور وتقطن في شمال غرب الصين وتعرف هذه المنطقة بتركتسان الشرقية، ويعتبر شعب هذه القومية أن النظر إلى السماء بدون ارتداء عمامة نوع من عدم الاحترام لله، لذا فهم يرتدون الطاقيات بشكل دائم ويرتدي الشباب والرجال فوق القمصان رداء فضفاضا مشقوقا عند الرقبة بدون ياقة ويصل إلى الركبتين ويشده من الوسط حزام مكون من منديل مربع ويسمي تشايابان وهي كلمة محرفة عن الكلمة العربية الجبة.

الأرز المطبوخ

ومن أهم المأكولات الإسلامية المحببة لديالويغوريين وجبة بالوه وتعني الأرز المطبوخ ويتناولونه بأيديهم مباشرة ويطلق عليه طعام الفوائد العشر لتقوية الجسم.

يشير الكاتب إلى أن قومية القازات تعتبر ثالث القوميات المسلمة في الصين ويتخذ أبناؤها السلاسل الجبلية الشاهقة ووديان الأنهار في منطقة سينكايانج موطنا لهم، وقد تركت العقيدة الإسلامية أثرا واضحا عليها، ويؤدي أهلها الزكاة وفقا للشريعة الإسلامية، مثل ضريبة الزراعة والتي يطلق عليها حبوب أتشور كما يتسمون بمراسم خاصة في الزواج.

من القوميات الإسلامية أيضًا في الصين قومية «القر غيز» وتتكون من جزأين هما القر أربعون، وغيز ويعني فتاة، لذا فالكلمة تعني أربعين فتاة، وترجع أصل التسمية إلى وجود ملكٍ كان لديه 40 بنتا، اقتربوا من أحد أحواض المياه التي تختفي فيها روح تطلب العدالة.

وعندما اقتربت البنات من الحوض حملت بعد فترة وجيزة، مما أثار غضب الملك وأصدر أوامره بطردهم من المملكة، وتشير السجلات التاريخية إلى أن الإسلام دخلها أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الـ 11ومن الطرائف التي تشهدها مراسم الزفاف لدى هذه القومية، تقييد العريس والعروس بالحبال عند باب الشقة ولا يتم فكهما إلا بأمر من والد العريس وإخوته.

ويوضح الكتاب أن هناك 6 قوميات أخرى تدين بالإسلام وهي الطاجيك الأوزبك، والتتار ودونغ شيانغ، سالار وباوان، والطاجيك يعني تاج الملك ويعيش أبناؤها فوق هضبة البامير - سقف العالم - وقد اعتادوا نثر الدقيق على الكتف الأيسر للضيوف تهنئة بالعيد، كما يقومون بإقامة ألعاب الفروسية في الأعياد.

وهم يقدسون النسر القوي، أما قومية الأوزبك فهي صغيرة العدد وتعيش في منطقة سينكيانج ويتميز أبناء هذه القومية بارتداء الطواقي المطرزة المسطحة من أعلى، ومن أهم عادات الزواج لديهم فقز العريس فوق النار، أما قومية التتار فقد اعتنقت الإسلام عن طريق البلغاريين في القرن العاشر الميلادي، وهم يهتمون بالآلات الموسيقية مثل الأكورديون والكمان والجيتار.

تقع كل من قومية دونغ شيانغ وسالار وباوآن في ولاية ليشيا التي يطلق عليها مكة الصينية وتقع جنوب شرق مقاطعة قانصو في شمال غرب الصين وهي تتميز بالطابع الإسلامي الفريد ويظهر ذلك في تمركز المسلمين بها، كما يعتبر المركز الرئيسي للدراسات الإسلامية في الصين.