كان هناك عميد لكلية القانون بباريس يدعى العميد دوجيه، وندب للتدريس في مدرسة الحقوق (كلية الحقوق) المصرية في النصف الأول من القرن الماضي فدَرَس الشريعة الإسلامية وأعجب كل الإعجاب خاصة بأمرين الأول التكافل الاجتماعي في الشريعة وألف فيه كتابا لما عاد إلى فرنسا، وسرت النظرية من فرنسا إلى جميع قوانين العالم باسم التضامن الاجتماعي. والثاني قواعد الميراث حتى قال في كتاب له (لو اجتمع جميع أساتذة القانون من جميع جامعات العالم فلن يستطيعوا وضع قواعد للمواريث كالتي جاءت بها الشريعة الإسلامية..).

وكان الخليفة العباسي عبد الله المأمون بن الخليفة هارون الرشيد على ذكاء شديد وعلم في الشريعة والمواريث واللغة.

ويروى أنه كان في مجلسه يوما ومعه صدور الناس وعلماؤهم وأدباؤهم عندما أخبره الحاجب أن امرأة بالباب تبكي وتصر على أن تقابل أمير المؤمنين فأذن لها فلما دخلت فسلمت سلاما فصيحا طيبا. فقال لها: ما شأنك؟

قالت: يا أمير المؤمنين إن لي أخا شقيقا توفي ولم أرث من تركته إلا دينارا واحدا، قال: وهل ترك شيئا كثيرا؟ قالت: نعم. ترك ستمئة دينار، فهل يُعقل أن آخذ من هذا المبلغ دينارا واحدا؟

قال: ولِمَ لَمْ تذهبي إلى القاضي؟ قالت قد فعلتُ وذهبت إليه فقال إن هذا حقك وليس لك أكثر من ذلك! ولم أفهم منه ما هو سبب هذا الظلم الذي حاق بي وأيده القاضي. فتحدث الجالسون مؤيدين للمرأة، ولكن المأمون أطرق ثم قال لها: أيتها المرأة. ليس لدينا قاضٍ يظلم. ولكن أصدقيني القول. هل ترك أخوك أُمًّا؟ قالت نعم.

قال الخليفة وهل ترك أخوك زوجة؟ قالت: اللهم نعم.

قال الخليفة وهل ترك أخوك بنتين ولم يترك ذكورا؟ قالت: نعم هذا صحيح.

قال الخليفة: عزمتُ عليك بالله هل ترك المتوفى اثنيْ عشر أخا ذكرا وأنت؟

قالت وقد استبد بها العجب: نعم والله إن هذه الحقيقة.

قال الخليفة إذهبي فقد وصلك حقُّك كاملا!

فعجب الموجودون وسأل بعضهم عن السر في ذلك فقال أمير المؤمنين:

إن المتوَفَّى ترك تركة قوامها ستمئة دينار. وترك أُمًّا لها السدس وهو مئة دينار. وترك بنتين تأخذان الثلثين وهما أربعمئة دينار. ومئة للأم فهذه خمسمئة دينار. وترك زوجة لها الثمن وهو خمسة وسبعون دينارا، فيتبقَّى من التركة خمسة وعشرون دينارا تقسم بين الإخوة للذكر مثل حظ الأنثيين وهم اثنا عشر أخا وأختا فكل من الذكور ديناران والأنثى وهي الشاكية لها دينار واحد!

فأعجب الحاضرون بحدة ذكائه وعلمه.