أعظم نعمة أفاءها الله سبحانه على الإنسان هي نعمة العقل.. وأعظم وظيفة يؤديها عقل الإنسان هي التفكير وأخطر عملية تؤديها هذه الوظيفة هي الابتكار وفيها يسعد المخلوق بلذة الكشف.. وجمال التعرّف وروعة التجديد. لهذا استخلف الله الإنسان في الأرض.. وعهد إليه بواجب القوامة على ما تحفل به من موارد وثروات وإمكانات. صحيح أن هذا المخلوق البشري قد يخطئ.

ولكنه أيضا قد يصيب. وصحيح أن يدعو الإنسان أحيانا بالخير بقدر ما يدعو في أحيان أخرى بالشر.. لكنه في كل حال موكّل بمسؤولية عمران الكون وصون آلائه والتحدث بما يحفل به من نعمة سابغة أفاءها فاطر الأرض والسماوات على سائر المخلوقات التي تدب فوق أديم الأرض من بشر ومن حيوان ومن نبات ومما نعلمه وما لا يعلمه سوى فالق الحب والنوى سبحانه وتعالى.

(لاسلكي - ماركوني) على امتداد سنوات عديدة من القرن العشرين ظل اسم ماركوني يتردد ويتسامع به الناس في العالم كله، وخاصة في مجالات الاتصالات والهواتف وميديا الإعلام، وبالذات في النصف الأول من القرن المذكور.وربما نرى في سيرة هذا المخترع أو المكتشف العبقري ما يفيد بسمات مميزة يمكن أن تهبها الطبيعة لعناصر المولّدين، بمعنى الذين ينشأون وسط ظروف التوالد والتزاوج بين عناصر بشرية مختلفة الأرومة..

متباينة الجينات ومنهم من يكون حظه الحسن أن يورث أفضل ما في هذا العرق البشري وأجود ما في المنبت الآخر.. وربما يصدق هذا الأمر على حضارة العرب والمسلمين التي أضاف إليها في ذروة مجدها ـــ العصر العباسي الأول والثاني ـــ مفكرون وعلماء ومبدعون وقد جاءوا من أصول عرقية شتى.. من بلاد ما وراء النهر قرب أواسط آسيا ومن صعيد مصر أو جبال البربر أو ربوع إيبريا ـــ الأندلس أو بلاد فارس وما يجاوزها إلى شبه جزيرة الهند وغيرها.

في 25 أبريل 1974 كان مولد جوجليلمو ماركوني في بولونا – إيطاليا من أب إيطالي يعيش في الأرياف في يسر من الأحوال ومن أم تنحدر من أصول أيرلندية.. ولقد شغف منذ طفولته بعلوم الفيزياء وتركزت اهتماماته على عوالم الفضاء والأثير متطلعاً إلى أن يخطو بنفسه.

بل وبالعالم، خطوة في التواصل الإنساني أبعد مما سجله سلفه مورس مخترع الاتصال السلكي عن طريق البرق – التلغراف. هكذا، وفي سن الحادية والعشرين بدأ الفتى ماركوني يجري تجاربه من مختبره الصغيرة في ضيعة والده الريفية. ويقال انه نجح وقتها – 1895 في بث أول رسالة أثيرية بمعنى أنها لا تسري داخل أسلاك البرق المعهودة وقتها.. وتم هذا البث المبتكر عبر مسافة نصف ميل.

في عام 1896 سافر ماركوني إلى انجلترا حاملاً جهاز الإرسال العجيب الذي توصل إليه حيث وصفته الدوائر المختصة بأنه جهاز وطريقة مستقلان عن استخدام أسلاك التوصيل التي طالما اهتزت من خلال رسائل مورس البرقية. كانت أسلاك ماركوني هي الموجات السابحة في أجواء الأثير.

ولهذا جاءت تسميتها (وترجمتها العربية ـــ لاسلكي) مصطلحاً بسيطاً ومباشراً وبالغ التحديد والتوفيق. وقبل انقضاء القرن التاسع عشر بسنة واحدة كان ماركوني قد قدم بيانات عملية على نجاح اكتشافه، إلى أن جاء عام 1900 ليشهد مع افتتاح القرن العشرين تسجيل هذا الاختراع برقم 7777 في انجلترا.. وبقدر موهبته المبهرة كانت طموحاته البعيدة المدى التي وسعت نظرته إلى حيث قراره أن تعبر رسائله اللاسلكية المحيط الأطلسي..

من أوروبا إلى أميركا وقد امتطت صهوة الموجات السابحة في الفضاء العريض فوق ذلك المحيط. هكذا جاءت اللحظة التاريخية المشهودة في ديسمبر من عام 1901 حين استخدم ماركوني النظام الذي توصل إليه ليبعث أول رسالة لاسلكية كانت عبارة عن عدد من الإشارات التي تم بثها عبر المحيط الأطلسي من سواحل انجلترا الغربية إلى سواحل أميركا الشرقية حيث قطعت لحظياً مسافة 2100 ميل.

كل هذه الإنجازات لم تُحل بين ماركوني وبين الخدمة العسكرية في جيش وطنه الإيطالي خلال الحرب العالمية الأولى، ولا في مواصلة هذه الخدمة على جبهة السياسة بعد انقضاء الحرب، حيث اختارته روما مندوباً لها ومفوضاً فوق العادة كما يقول المصطلح الدبلوماسي لدى مؤتمر الصلح المعقود في باريس عام 1919.

ورغم حياة الترف التي كان من حظ ماركوني أن ينعم بها.. فقد ظل يواصل بحوثه الابتكارية متسلحاً بإرادة من حديد.. صحيح أن إمكاناته هيأت له يخته الشهير اليترا يجوب فوق متنه مياه المتوسط والأطلسي.. لكن الصحيح أيضاً أن اليخت كان يستخدم أساساً كمحطة بث واستقبال للرسائل اللاسلكية من أجل تطوير أدائها ورفع كفاءتها.. وبفضل هذه البحوث والتجارب المبتكرة..

وصلت عبقرية ماركوني بعالم الثلث الأول من القرن العشرين إلى مشارف اتصالات الميكروويف وخاصة بين السفن في أعالي البحار ومحطات الإرشاد البحرية فوق موانئ اليابسة.. وإلى تطوير وتفعيل فكرة استخدام موجات الأثير في رصد حركة الأجسام الطائرة وحساب حجمها ومسافة وصولها فيها أصبح يعرف باسم تكنولوجيا الرادار.

كان طبيعياً كذلك أن تنهال على هذا العبقري المولد من أصول إيطالية وسلتيه (أيرلندية) أكاليل التكريم والتمجيد.. أكثر من دكتوراه فخرية.. أعلى الأوسمة من ملك إيطاليا.. وقيصر الروسيا إلى أن انعموا عليه بلقب مركيز الذي يمكن توريثه في ذريته.

بيد أن التكريم الأهم في رأينا هو حصول ماركوني في عام 1909 على جائزة نوبل الرفيعة في الفيزياء وإن شاركه في شرفها العالم الألماني الكبير البروفيسور كارل براون.

وفي 20 يوليه من عام 1937 وقبل أن يشهد المركيز - السناتور جوجليلمو ماركوني ويلات الحرب العالمية الثانية رحل إلى عالم البقاء، لكن اسمه ظل يتردد في الأدبيات العالمية وفوق اللافتات المرفوعة على مؤسسات الاتصال اللاسلكي ومن ثم الإذاعي والإعلامي في طول العالم وعرضه.

القلب الاصطناعي

انقضى الآن على هذا الحدث المفصلي كما نسميه نحو 40 عاماً، ففي ديسمبر من عام 1967 تسامع عالم ذلك الزمان بأنباء غاية في الأهمية جاءته من كيب تاون في جنوب إفريقيا. صحيح أن ذلك البلد الواقع في أقصى جنوب القارة كان يرزح تحت وطأة نظام المستوطنين البيض العنصري..

إلا أن الدنيا تعاملت مع النبأ بقدر كبير من الاهتمام وربما التسامح.. وكان النبأ يتعلق بالجراحة التي أجراها الدكتور كرستيان نيتلفغ برنارد لزرع نتلنغ قلب في صدر المريض لويس واشكنسكي.. وكانت أول عملية جراحية من نوعها في التاريخ.

وبرغم أن المريض لم يعش طويلاً، فقد كانت الجراحة بكل المقاييس عملية رائدة طيرت شهرة الدكتور برنارد إلى الآفاق بوصفه مجدداً ومبتكراً لدرجة أن كانوا يعاملونه وكأنه من نجوم السينما. على الجانب الآخر من كرة الأرض - إلى شمالها بالذات.. عكف مبتكرون آخرون على تدارس فكرة معالجة القلب الإنساني المريض. لم يكونوا أطباء ولا جراحين..

بل كانوا في معظمهم من الاختصاصيين في مجالات مستجدة ترنو إلى وضع علوم الهندسة ومنجزات التكنولوجيا في خدمة مهنة الطب والعلاج. من صفوفهم يلوح اسم روبرت جارفيك من ولاية أوتاه الأميركية الذي عكف على مدار الستينات والسبعينات على متابعة كل ما صدر من كتابات وبحوث في ميدان التوصل إلى ما يمكن وصفه بأنه القلب الصناعي بمعنى الآلة - الوسيلة التي يمكن يوماً أن تحل محل القلب البشري أو أن تكّمل وظائفه الحيوية على أقل تقدير.

والواقع أن مجال المخترعات في أميركا كان قد سجل في تلك الفترة وما قبلها أكثر من 100 فكرة بشأن التوصل إلى مضخة مصنوعة دقيقة الوظائف.. مرهفة التشغيل بحيث يمكن أن تؤدي.. أو يؤمل منها أن تؤدي - الوظائف، أو بعض الوظائف، التي تقوم بها تلك البضعة العبقرية التي أبدعتها فطرة الخلق في جسم الإنسان.. والتي أشار إليها أمير الشعراء شوقي في قصيدته سلوا قلبي قائلاً:

ولي بين الضلوع دم ولحم

هما الواهي الذي ثكل الشبابا

في9 /12 سنة 1977 سجل روبرت جارفيك ابتكاره بشأن القلب الاصطناعي مؤكداً على أهمية مراعاة عوامل شتى في تصميم هذه الآلة الحيوية يأتي في مقدمتها تجنّب أن يلفظها - يرفضها جسم المريض.. أو أن ترتفع الحرارة المتولدة من تشغيلها إلى مستوى غير مقبول أو منذر بالخطر، فضلاً عن ضرورة إبقاء الصوت المنبعث من التشغيل ضمن الحدود المقبولة إنسانياً.

وفي كل حال فقد جاء تصميمه محتوياً على مضخة دفع الدماء عبر الشرايين ومزوداً بوسيلة دقيقة لتوليد الطاقة لزوم تشغيلها، وإن ظل هذا المخترع على تصوره بأن الأمر يحتاج كذلك إلى التماس مصدر خارجي لهذه الطاقة لمواجهة أي حالة طوارئ، فضلاً عن حرصه أن يأتي تصميم القلب الصناعي الذي طرحه أقرب ما يكون من حيث الشكل والمحاكاة الحركية (القبض والانبساط) للأصل البشري الطبيعي.

في سنة 1982 تم تركيب جهاز القلب الصناعي لأول مرة في صدر مريض أميركي.. ولم تكن النتائج مشجعة بما فيه الكفاية.. لدرجة أن المجامع الطبية المختصة في الولايات المتحدة ما زالت تتابع محاولات جافريك في مضمار التطوير.. التجويد قبل أن تعود إلى استخدام قلبه الآلي الاصطناعي على نطاق أوسع وخارج مضمار التجريب.

من ناحيته تفيد تلك الدوائر بأن المخترع الأميركي توصّل إلى طبعة منقحة - كما نصفها - من جهاز القلب المذكور أطلق عليها اسم طراز جافريك - 2000. وجاء هذا الموديل من القلب الاصطناعي دقيقاً في حجم إبهام اليد موصولاً بخط رفيع للغاية لتوصيل الطاقة إلى ترانزستور بحجم عملة معدنية صغيرة بدورها وبحيث يتم إدخاله في منطقة بالجمجمة خلف أذن المريض .

ويستمد هذا كله طاقة التشغيل من حزمة بطاريات مخصوصة تلتف حول خصر الإنسان.. وما زالت التكاليف عالية (50 ألف جنية استرليني للوحدة الواحدة) فيما يستمر الأمل أولاً وأخيراً في مواصلة تطوير هذا القلب الاصطناعي بما يضفي على الجهاز مزيداً من الفعالية والنجاعة والسهولة مما قد يؤهله للحلول - ولو ضمن نطاق مصقول محل القلب المعجز الذي منحه المولى للإنسان.

محمد الخولي