ذكر العلماء جملة من التدابيرالتي ينبغي الالتزام بها عند مواجهة النمَّام للحدّ من خَطرهِ، وللخروج من تلك المواجهة بموقفٍ يضمن الأجر والسلامة من الإثم، ومنها عدم تصديقه فيما يقول، لأنـّه فاسق، وقد قال تعالى: (يا أيّها اَّلذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُم فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَينُوا أن تُصيبُوا قَوماً بِجَهَالَةٍ فَتُصبِحُوا عَلى مَا فَعلتُم نَادِمين) (سورة الحجرات الآية 6)

ثم نهيه عن فعله ذلك وردعه عند الامكان، لأنـّه منكر وينبغي النهي عنه، قال تعالى (وَأمر بِالمَعرُوفِ وَانهَ عَنِ المُنكَرِ). (سورة لقمان، الآية 17). وعدم ترتيب أَثرٍ سلبيّ على ما يُسمَعُ منه، من قبيل إساءة الظن بالغير ومقاطعته، أو التحري والتجسُّسِ لكشف الأمر وكتم ما سُمِعَ منه وعدم حكايته للغير وإظهار البغض له والابتعاد عنه، ما لم يتب وَيَظهَرُ صَلاَحُهُ.

للنميمة آثار خطيرة جداً، وتكمن خطورتها في أَنَّها تجعلُ المرء فاسداً في نفسه مفسداً لغيره؛ أمَّا فاسداً في نفسه فلأنَّ مقترفها لا ينفك من أن يكون كذّاباً، مغتاباً، غدّاراً خائناً، حاسداً، منافقاً، مفسداً بين الناس، قاطعاً لما أمر الله به أن يوصل، ومن المعلوم أنَّ مَن تصدر عنه هذه الرذائل هو في غاية الفساد. وأمّا مفسداً لغيرهِ؛ فَبِما يثير من العداوة والبغضاء والفرقة بين الناس، وما يتأتى بسبب ذلك. وهذه الآثار تنعكس عليه في الدنيا، وفي الآخرة فُتلبِسَهُ ثَوبَ المذَّلةَ والعار، وتُدخِلَهُ النار.

أما أثار النميمة على المجتمع فهي اشد واخطر من جهتين الأُولى: العدوى، فهي كمرضٍ أخلاقي يشبه الأمراض العضوية ذات القابلية على الانتقال من المصابين إلى الأصحاء عند تهيّؤ الظروف المناسبة لذلك. فمتى ما توفرت الشرائط المناسبة للعدوى انتقلت النميمة من الفرد المصاب بها إلى الفرد الصحيح، لذلك فالمجتمع مهدد بخطر تفشي هذا المرض الخطير إن لم تؤخذ التدابير الوقائية اللازمة لذلك.

الثانية: وهي ما يتسبَّب عنها من دَمَار في بنية المجتمع، فهي تصيب أقوى عِرى المجتمع وأَحكمها التي أكدَّ الشارع المقدس مِراراً وتكراراً على حفظها ورعايتها كأَشدِّ ما يكون عليه الحفظ والرعاية وحذَّرَ من الإخلال والتفريط بها، ألا وهي وحدته وترابطه التي تكسبه العِزَّةَ والمِنعَةَ أَمام أَعدائهِ في الداخل والخارج.

فالنميمة تستأصل مظاهر تلك الوحدة من الودّ والإلفة والإخاء والتعاون والإيثار وكلّ ما أمرَ الله به أن يوصل، وتُحِلُّ محلَّها العداوةَ والبغضاء والتنافر والتناحر، فتتركه مجتمعاً ضعيفاً متفككاً مطمعاً لأعدائه، حتى أنَّها تعمل ذلك كالسحر العظيم، قال الإمام جعفر الصادق‌ (إنَّ من أَكبر السّحر النميمة، يُفرّقُ بها بين المتحابين ويجلبُ العداوة على المتصافين، ويسفك بها الدماء، ويهدم بها الدّور، ويكشف بها الستور، والنمَّام أشرُّ من وطئ على الأرض بقدم). (الأخلاق والآداب الإسلامية: ص 70).

إن ضحايا هذه الموبقة غالباً ما يكون هم أهل العلم والشرف والوجاهة في المجتمع المحسودون على مقاماتهم وما امتازوا به من الشرف والسؤدد، فيكيدهم حسّادُهُم بجرم السعاية اشفاءً لغيظ نفوسهم الحاسدة وإطفاءً لغليلها المستَعِر. ومن هنا يعلم أن الساعي من أشرّ الناس وأفسدهم؛ لأنه بسعايته لا ينفكّ أن يمارس أرذل الموبقات من الكذب والخيانة والزور والغدر والحسد والنفاق والإفساد بين الناس، التي توعد الله تعالى عليها سوء الدار والطرد من رحمته، قال عزّ وجلّ: (وَيَقطَعوُنَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أن يُوصَلَ وَيُفسِدُونَ فِي الأرضِ أولئِكَ لَهُمُ اللَّعنَةُ وَلَهُم سُوء الدَّارِ) سورة الرعد، الآية (25).