(عدنان الشيخ عثمان) خطاط سوري من مواليد مدينة حمص عام 1959.. تعلم فن الخط العربي من خلال إطلاعه على كنوزه الخالدة وآثار الخطاطين العظماء وبالمثابرة على البحث والدراسة.. تمكن من الإلمام بقواعده وأسس وطرز الخط العربي وأتقن ممارستها إلى أن اختط لنفسه أسلوبه الخاص والمبتكر.
شارك في العديد من المعارض واللقاءات المكرسة لفنون الخط العربي داخل سوريا وخارجها، وحصل على مكافأة (أرسيكا) للتميز في فن خط الثلث الجلي المتراكب عام 2001. إلى جانب حرفة الخط ، يمتلك الفنان عثمان صوتاً رخيماً ومعرفة واسعة بالمقامات الموسيقية، ويمارس الأدب نثراً وشعراً. يقول إن فصاحة اللسان التي أتقنها جيداً، كانت جواز سفره إلى فصاحة اليد والقلم أحد اللسانين، واللغة تؤدى بلسان النطق تارة ولسان القلم تارة أخرى، وقد كان والده رساماً بارعاً في فنون الزخرفة الإسلامية، وعنه أخذ الأناة والإتقان وحبه للخط العربي، هذا الفن الذي عشقه إلى حد التصوف ما جعله يبحر في عوالمه الرحبة ليتعلم أصوله بشكل ذاتي وبدون وجود أستاذ مباشر. كانت بداية الرحلة مع عناوين الكتب المذيلة بخطوط كبار الخطاطين الراحلين أمثال (ممدوح الشرف، بدوي الديراني، سيد إبراهيم، حسني البابا) فكان يحاكيها رسماً.
وعندما بلغ الثانية عشرة، أهداه أحد أصدقاء والده كراسة (قواعد الخط العربي) لهاشم البغدادي التي أحدثت نقطة تحول كبيرة في حياته. بعدها تتالت المراجع الخطية العربية والتركية والفارسية، فدرسها جميعاً دراسة مستفيضة، وقام بالمقارنة بين مختلف المذاهب والمشارب ليبدع لنفسه أسلوباً خاصاً. وهو يعشق الأساليب جميعاً ولا يميل إلى مدرسة بعينها ولا يتعصب لأسلوب بذاته لإيمانه بأن الكمال لله وحده. ويحدد الفنان الخطاط عثمان أهم العقبات التي تقف في طريق هواة الخط ومتعلميه باصطدامهم بالأساليب البالية القائمة على التعصب الأعمى لبعض الرواد الراحلين والمحاكاة المتزمتة المملة لأعمالهم دون سواهم وهذا ما يقتل روح الإبداع لدى المتعلم ويحرمه ثقته بنفسه وبقدراته ويشل لديه الشخصية الانتقائية ويجعله تابعاً،عديم الحيلة.
من هنا يجب ترك الحرية للتلميذ، في اختيار من يحاكي خطه من الرواد الأعلام وأن لا يحصر موهبته في محاكاة أحد الأعلام بل التنقل كالفراشة، بين مختلف الأزهار. والأهم من ذلك كله تغذية العقل والعين ثم اليد، فيمشق المتعلم بعقله وقلبه مئة مرة وبعينه عشراً قبل أن يمشق بيده مرة واحدة.
ويؤكد الفنان عثمان أنه ليس هناك طريقة محددة عنده لاختيار الموضوع الذي يضمنه عمله الفني، فكل لوحة كتبها هي حالة قائمة بذاتها، والخطاط يتأمل في هذا الكون، ويتفاعل معه سلباً وإيجاباً، شأنه شأن بقية خلق الله. فتراه يمر بحالات نفسية عديدة متشابكة، فيتأمل .. ويتأمل .. ويتأمل .
. ثم يستخرج من مخزون حافظته الأدبية (نثراً وشعراً) ما يسعفه على التعبير عن تلك الحالة التي يمر بها، فيترجمها جرة بالمداد، تتحول بعد التهذيب والتنميق إلى لوحة متكاملة، أما الأدوات المستخدمة فهي أدوات الخطاط المعروفة (الورق والقصب والمداد). والفنان عدنان الشيخ عثمان من أنصار التسويد والتجريد قبل التحبير، مع أنه متمكن من ارتجال الخطوط جميعها، ولكن حرصه على إحراز المستوى الأعلى يجعله يعيد النظر في اللوحة مراراً قبل التنفيذ.
ويرى أن جمال التوزيع والتكوين هو أحد بنود اللوحة الخطية وأن الوصول إلى هذا الجمال أمر بالغ المشقة على الأغلب إذ ليس من السهل إحراز التناغم بين السواد والبياض في اللوحة مع المحافظة على مقاييس الحروف الذهبية، ومراعاة تسلسل القراءة الإملائي الصحيح. والوصول إلى التكوين المثالي، يستغرق وقتاً قد يطول، وقد يقصر، وذلك بحسب حالة الإشراق والإلهام التي يمر بها الخطاط.
فإذا انحسر هذا الإشراق، رافق العمل بعض العسر وعدم التوفيق، والعكس صحيح. ويرى الفنان عثمان أن التصوف هو خلاصة الصدق، والحرف العربي بحد ذاته، صوفي الملامح، عميق الدلالات والتأثير ولا يأتي التصوف في اللوحة من شكلها الخارجي فقط أو من ألوان مدادها وورقها، وإنما من عناصرها القوية مجتمعة وعليه فإن لوحة الخط الكلاسيكية المتقنة المبدعة هي قمة في التصوف.
ويؤكد الفنان عثمان أن الخط العربي يعيش اليوم حالة من الانتعاش لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه كله، فالمسابقات الدولية التي بدأت من عام 1986 أفرزت أقلاماً قوية جديرة بالاحترام. وهناك تلامذة كثر لهم في أرجاء المعمورة ينهلون منهم، عياناً وبالمراسلة ومهرجانات الخط وملتقياته لا تهدأ في العواصم والمدن العربية والإسلامية.
أما بالنسبة للحاسوب فيؤكد انه ليس بالإمكان إنكار هذا التقدم العلمي المبهر ولا يرى أي خطر منه على فن الخط العربي إذا أحسن استخدام التقانات والإمكانات التي يتمتع بها، فهو يساعد في صنع الخلفيات والظلال للخطوط المكتوبة على أغلفة الكتب، كما يساهم في تجميل الكادر الذي يحيط باللوحة الخطية أما أن يكتب الخط نفسه، عن طريق الحاسوب فهذا هو الخطأ الذي لا يغتفر، وهو يسيء بشكل بالغ إلى جمال الخط العربي ورفعته.
د. محمود شاهين


