أكد د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف أن ما يحدث بالعراق من اعتداء على مراقد الصحابة وآل البيت والصالحين عمل مخالف لتعاليم الإسلام، موضحا أن هذا الصراع لا يخدم قضية المسلمين في سعيهم لإدراك المكانة المفقودة، التي جعلتهم في مؤخراً الركب الحضاري العالمي. وطالب فضيلة شيخ الأزهر السنة والشيعة بضرورة السعي قدما لإقرار آلية لإحداث تقريب بين مذاهب السنة والشيعة، وليكون ذلك قائماً على الانفتاح والحوار العقلاني والايجابي، شريطة توافر حسن الظن وصدق النية للعمل سويا، لما فيه خير الأمة الإسلامية ووحدتها ودرء أي فتن عنها.

وأشار إلى أن الأزهر الشريف الذي يتعدى عمره ألف عام يسعى جادا ليؤدي دوره على صعيد إحداث صحوة حضارية إسلامية وهو في ذلك ينتهج المذهب المعتدل البعيد كل البعد عن كل صور التطرف الفكري والمذهبي، حيث تتسم الدراسة بالأزهر بالسماحة والاعتدال والشمول، حيث تحفيظ القرآن والتوسع في الدراسات الفقهية، غير متناسين الدراسات التجريبية لإيمان الأزهر بأهمية دورها في بناء الحضارة.* ماذا يقول الشرع في العدوان الذي يشنه بعض المتطرفين في العراق على المراقد والمساجد؟ - العدوان على المراقد والمساجد وأماكن الصالحين مرفوض ونحاربه، ومن ثم يجب أن يكف الإخوة في العراق عن هذا السلوك، الذي لا يخدم إلا الأعداء، فهذه الاعتداءات تشوه صور الإسلام في الغرب وتساعد علي زيادة حدة الفتنة بين الأخوة العراقيين سنة كانوا أو شيعة، ومن هذا المنطلق حرص الأزهر الشريف على إصدار بيان رسمي يدين الاعتداء على مراقد الصحابة وآل البيت والصالحين عقب تفجير مراقد الأئمة بالعراق، مؤكدين أن هذا العمل مخالف لتعاليم الإسلام، داعين جميع العراقيين من سنه وشيعه وغيرهم إلى الوحدة والتكاتف لإعادة الاستقرار والأمن بالعراق.

* ماذا ترى فضيلتكم في دعوات التقريب بين السنة والشيعة؟ - مقتضيات العصر تفرض على المسلمين أن يبحثوا بجد عن سبل التقريب بين السنة والشيعة لما في ذلك من فائدة كبيرة، ولقد كان للأزهر الشريف مبادرة على صعيد هذه المساعي ومفادها إمكانية استعانة أهل السنة بمفكري الشيعة والعكس.وهذا ما عرضته على الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي أثناء زيارة للقاهرة مؤخرا، فالتقريب بين السنة والشيعة والانفتاح والحوار العقلاني والايجابي بينهما ضرورة شريطة توافر حسن الظن وصدق النية للعمل سويا لما فيه خير الأمة الإسلامية ووحدتها ودرء أي فتن عنها، خاصة وأنه لا يوجد خلاف جذريا بين المذهبين خاصة على الأركان والأصول، فكلاهما مسلمون ويؤمنون بإله واحد وبأركان الإسلام الخمسة ويتجهون لقبلة واحدة.

* للأزهر الشريف مكانة عالمية جعلته الحارس الأمين للإسلام، فكيف ترون تعزيز دوره الآن في ظل الظروف الراهنة؟

- الأزهر الشريف يؤدي دوره بالطريقة التي تُرضي الله عز وجل والتي تنفع الأمة، فالأزهر الشريف عمره أكثر من ألف سنة يضم أكثر من سبعة آلاف معهد ما بين ابتدائي وإعدادي وثانوي وبنين وبنات ومعاهد للقراءات، وأيضاً يُنتسب إليه الآن طلاب وطالبات من أكثر من مئة دولة يعيشون في مدينة البعوث الإسلامية يأكلون ويشربون ويتعلمون، ومنهم مَنْ يبقى لمدة خمس عشرة سنة ثم يعود إلى بلده لكي يشارك في نشر العلم النافع وإلى جانب ذلك فإن الأزهر الشريف يُرسل مبعوثيه إلى الخارج وإلى مشارق الأرض ومغاربها لكي يشاركوا في تعليم أبناء الدول الآسيوية والإفريقية.

* قضية الإعجاز العلمي في القرآن من القضايا المطروحة على الساحة الآن وهو الأمر الذي دفع بعض العلماء إلى تدريس الإعجاز العلمي ضمن مناهج الأزهر.. فما رأيكم؟

- إن الدراسة في الأزهر تمتاز بالسماحة والاعتدال ونحن نهتم بثلاثة جوانب من العلوم، تحفيظ القرآن الكريم وبالتوسع في الدراسات الفقهية والدراسات اللغوية والدراسات الشرعية التي تتعلق بالتفسير للقرآن الكريم، وبالأحاديث النبوية الشريفة.. وبالنسبة لإعجاز القرآن الكريم فهو معجزٌ بلفظه ومعجزٌ بمعناه ومعجزٌ بهداياته وبتربيته للأمة ومعجزٌ بهداياته للناس إلى الطريق المستقيم، وهداية القرآن الكريم تمتاز بالعموم وبالوضوح، وتمتاز بالتمام..

ونحن نرى أن هناك أموراً أو حقائق لا تعد من إعجاز القرآن الكريم كالإخبار عن المغيبات، عن طريق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ونحن نؤيد كل مَنّ يسير في هذا الطريق، لكن نحب أن نقول، هناك فرق بين الحقائق العلمية وبين النظريات العلمية، فالحقائق العلمية هي من إعجاز القرآن الكريم، أما النظريات العلمية فهي نظريات قابلة للتغير، وللتبديل وللزيادة وللنقص.

لا يصح أن ننسبها إلى إعجاز القرآن الكريم، فقد تنسب إلى إعجاز القرآن نظرية علمية اليوم، ونجد أن هذه النظرية بعد سنة قد تغيرت، فهذا يمثل إساءة بالغة للقرآن الكريم وعلى ذلك فنحن لا ننسب إلى الإعجاز القرآني إلا الحقائق العلمية وليست النظريات.

اجتهاد مقبول

* «اختلاف العلماء رحمة» هذه العبارة تطرح تساؤلا يحيرني فمتى يكون اختلافهم رحمة.. ومتى يكون نقمة؟

- الاختلاف يكون رحمة عندما يكون عن اجتهاد، على أن يكون هذا الاجتهاد مقبولا ولا يضر، بالنسبة للعقول الواقع لكن يكون الاختلاف نقمة عندما يؤدي إلى التنازع وإلى التفرق ويؤدي إلى شق عصا المسلمين.

* يتهم الغرب الإسلام بأنه دين ذكوري غير منصف ولا يسمح بأن تؤم المرأة الرجال في الصلاة؟ فهل يجوز أن تؤم المرأة الرجال في الصلاة وذلك رغم أن الحديث الشريف واضح في هذه القضية وماذا يريد هؤلاء من الإسلام؟

- هم يريدون الحكم بأهوائهم ونحن لا نستطيع تكميم الأفواه لكن نستطيع أن نبين لمن اخطأ في حكم من الأحكام الصواب من الخطأ وهذا كل ما نملكه، فقد أجمع الفقهاء والعلماء على أن إمامة المرأة للرجال باطلة باطلة باطلة.

* هل يمكننا القول إن ما يصيب بعض الأفراد أو الدول من مصائب وكوارث هو نتاج الخروج عن شريعة الله عز وجل؟ وهو القائل سبحانه وتعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) .

- طبعاً هذا قول الله سبحانه وتعالى وهو الصدق ولا يستبعد الإنسان أن ما يُصاب به من كذا أو كذا، قد يكون بعضه بسبب ارتكاب الذنوب.

* جاء الإسلام بعقيدة صافية رفعت الإنسان وحررت عقله من العقائد الفاسدة فلم يترك فضيلة تجعل المسلم فرداً صالحا في نفسه، ونافعاً لمجتمعه إلا أمر بها وحث عليها، ولم يترك رذيلة من الرذائل إلا نهى عنها ونفر منها، فكيف بعد ذلك يؤذي المسلم أخاه المسلم؟

- إن المسلم الذي يؤذي أخاه المسلم تبعاً لهواه، فالقرآن الكريم يقول: (فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) فمن يؤذي غيره إنما يؤذه على حسب هواه وعلى حسب أن الشيطان، استطاع أن يغويه وأن يحوله من إنسان نقي الفطرة إلى إنسان يحتاج إلى إنسان.

طريق مستقيم

* قضية الرزق من القضايا التي تشغل الناس الآن وخاصة في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة رغم أننا نعلم أن ضيق الرزق أو سعته حكمة لا يعلمها إلا الله عز وجل فما تعليقكم؟

- علي أن أسعى ومادمت أسعى بطريقة حلال وبطريق مستقيم، فالله سبحانه وتعالى لن يضيع سعيي وسيرزقني بما يكفيني لأنه القائل: (إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا)

* لقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترويع الآمنين ونهى عن توجيه السلاح نحو الآخرين بصفة المزاح وقال صلى الله عليه وسلم (لا يحل لمسلم أن يروع مسلما) فما رأيكم فيمن يقتل أخواته المسلمين وغيرهم بحجج واهية ليست من الإسلام أبداً؟

- نصيحتي لهؤلاء أن يتركوا هذا السلوك الذي فيه ضرر عظيم، والذي نهى الله عنه وتوعد من يفسد في الأرض أومن يعتدي على غيره وهو مقر على الاعتداء والله عز وجل يبين عقابه لهؤلاء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وقال: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم).

* ما رأي فضيلتكم فيما يراه البعض من طغيان العلوم الدنيوية على العلوم الدينية الأساسية؟

- العلم واجب وضرورة من ضرورات الدين، ومن عبد الله تعالى على جهل فقد عصاه، ولم تقتصر علوم القرآن الكريم ولا الحديث على علوم الدين، بل اشتملت على كثير من العلوم، فكل آيات القرآن الكريم تتحدث عن علم الطب والفلك والرياح والاتجاهات والمواقيت وهذه كلها علوم يجب تسخيرها في خدمة الدين، ولننظر إلى أول آية نزلت على سيدنا محمد «صلي الله عليه وسلم» فما هي إلا أمر بالقراءة والتعلم فقال تعالي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق).

كما أن الله تعالى لم يفضل أبانا آدم على الملائكة إلا بالعلم فقال تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم أني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون).

إيقاع العصر

* يطالب الكثيرون بضرورة إحياء الاجتهاد لمواكبة متغيرات العصر فما هي حدود الاجتهاد وضوابطه؟

- الاجتهاد يكون في الأمور الفرعية، ونحن ـــ كمسلمين ـــ مكلفون بأن نؤمن بأن كل حرف في القرآن الكريم هو كلام الله وأن اختلاف المفسرين إنما يكون في فهم النص، فلا اجتهاد في العقائد والعبادات، فمثلاً لا نقبل من يقول لنا: إن صلاة المغرب ركعتان وليست ثلاث ركعات، مدعيا أن هذا اجتهاد يناسب إيقاع العصر، أهل الاجتهاد في كل علم هم المختصون فيه، ومن يجتهد في الدين ينبغي أن يمتلك وسائل الاجتهاد، ومن أبرزها إتقان علوم اللغة العربية والتفسير والحديث وأصول الفقه.

* في تقدير فضيلتكم كيف يمكن تقديم خطاب إسلامي رشيد يتفق مع روح العصر؟

- خطابنا الصالح لكل العصور يكون بتقديم ديننا كقدوة طيبة، بهذه القدوة الطيبة يستطيع المسلمون أن يكون لهم مكان تحت الشمس، وبحسب ما أرى الآن فإن الذين يدخلون الإسلام من غير المسلمين لا يدخلون إلا بعد قراءة وفهم سليمين له، لكن ليس بعد أن رأوا في المسلمين قدوة طيبة.

يعني ضرر الإسلام من بعض أبنائه أشد من ضرره من بعض الذين لم يدخلوا الإسلام بعد! فالعالم أصبح قرية صغيرة، للأسف لقد أصبح بعض المسلمين قدوة سيئة للناس وينفرون الخلائق من الإسلام والمسلمين، ولكن إذا كثر عدد العلماء من المسلمين أصحاب الفكر السليم فسوف تصبح للمسلمين المنزلة التي تجبر العالم أجمع على احترامهم.

* كيف تعمل العبادات عملها وتترك أثرها في المسلم نفسه وبخاصة الصوم لتنمية قدراته وشخصيته وملكاته؟

- الصوم شأنه شأن كل العبادات أثره وغايته معروفة، والقرآن ذكرها صراحة «لعلكم تتقون» والتقوى ليست كلمة هلامية وإنما التقوى من جوامع الكلم ومعناها أن يكون الإنسان صادقًا مع ربه ومع نفسه ومجتمعه، وأن يصوم عن الخوض في أعراض الناس. وعن الفوضى في الشارع وتعطيل مصالح الناس وعن فحش الكلام وعن الرشوة والاختلاس والتخريب وأن من يصم عن سفك الدماء ظلما وعدوانا.. إنه يصوم عن ذلك كله يقي نفسه مصارع السوء وموارد الهلاك.

وأما الزكاة فأخت الصيام. «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم» إنها تعالج النفس من مرض الشح، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والحج يجمع الناس لمنافع جمة ومهمة لخصها القرآن بقوله: (ليشهدوا منافع لهم) تتعدد وتتطور الأزمنة وظروف البيئات المسلمة، أرأيت لو تركت كل عبادة أثرا في نفس صاحبها.. لتحول مجتمع المسلمين إلى المدينة الفاضلة التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: «ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض».

ليلة القدر

* هذا يقوي الرأي القائل بأن هناك ليلتين للقدر في رمضان، ليلة 17 التي نزل فيها القرآن على حد قولهم، وليلة 27 التي أشار إليها الرسول بقوله: التمسوها في الوتر من العشر الأواخر؟

- القول بأن هناك ليلتين للقدر جائز، ولا يهدم عقيدة ولا يصادم نصاً، فلعل الباحثين كما سمعت عنهم وصولا إلى ذلك، انهم يقولون بصحة أحاديث ثبوت نزول القرآن ليلة 17 رمضان، ومبلغ علمي أنها أحاديث ضعيفة لكنهم يقوونها.. وإن صح ذلك عندهم فتكون ليلة القدر الأولى ليلة 17 رمضان، والثانية عندهم ليلة من ليالي الوتر في العشر الأواخر.. ولا أرى حرجاً في هذا البحث وهذا الرأي وإن كنت أميل إلى رأي جمهور العلماء بأن ليلة القدر في الغالب واحدة وهي ليلة 27 رمضان.

* ما قيمة الدعاء في شهر رمضان على وجه الخصوص؟

- الدعاء هو العبادة كما قال الحديث الشريف «ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء» وقال صلى الله عليه وسلم: «من فتح له باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سُئل الله تعالي شيئاً أحب إليه من أن يُسأل العافية، وإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم يتنزل ولا يرد القضاء إلا الدعاء، فعليكم بالدعاء» وقال «ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع».

و«من لم يسأل الله يغضب عليه»، وأما ارتباط الدعاء بشهر رمضان فلأنه الشهر الذي «تغلق فيه أبواب النار، وتفتح أبواب الجنة، وتصفد الشياطين، وينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر ويا باغي الشر أقصر».. ويجدر بالمسلم أن يغتنم فرصة هذا الشهر ليكثر من الدعاء إلى الله.

* ولماذا لم تتوحد كلمة المسلمين حول بدء الصوم إلى الآن رغم تقدم آليات استطلاع الأهلة؟

- بعيدا عن تكنولوجيا العصر وآليات استطلاع الهلال، يثبت هلال رمضان برؤية شخصين عدلين، فإذا لم يتيسر ذلك ورآه شخص واحد عدل أخذ بقوله عند جمهور العلماء وصام المسلمون بناء على شهادته بأنه رآه ولا بأس بالاستعانة في الرؤية بكل ما يساعد على رؤيته بواسطة الوسائل العلمية الحديثة كالمناظير المكبرة وما شابهها، كما يمكن أن يتعاون العلماء المتخصصون في علوم الفلك والأرصاد الجوية مع الفقهاء في علوم الشريعة الإسلامية على ما يؤدي إلى تحقيق رؤية هلال شهر رمضان.

فإن هذا التعاون الصادق المخلص له ثماره الطيبة التي تعود بالنفع على المسلمين جميعا، فإذا لم تثبت الرؤية الشرعية بعد تلك الجهود المتبادلة لرؤية هلال رمضان أكمل المسلمون عدة شعبان ثلاثين يوما، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:

(صوموا لرؤيته أي الهلال وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم أي تعذرت رؤيته عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما)، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا فإن غمَّ عليكم فاقدروا له أي فقدروا عدة الشهر حتى تكملوا ثلاثين يوما»، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وكلها توجب الصوم والفطر بالرؤية الشرعية أو بإكمال الشهر ثلاثين يوما إذا لم تثبت الرؤية.

* ولماذا لا يتخذ المسلمون الحساب الفلكي عاملا مساعدا يسهل لهم مهمة البحث؟

- المعروف جليا أن أهل علم الفلك تقدموا خلال السنوات الأخيرة وأصبحت بالتالي حساباتهم دقيقة جدا في حساب أوائل الشهور الهجرية، ومن ثم لا ينبغي أن يكون مثبطا لهمم المسلمين عن أن ينهضوا لاستقبال الهلال وأن يعملوا مستعينين بتلك المقررات الفلكية على أن يروه رؤية عينية، فإن ذلك هو غاية العلم وهو عين اليقين. تطهير النفوس

* لماذا اختير شهر رمضان بالذات ليكون الصيام فيه فريضة؟

- لأنه قد شرف بنزول القرآن فيه، فنزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها، ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس، واقعا، وأخرج ابن اسحاق أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (جاورت بحراء شهر رمضان) وقال ابن سعد: (جاءه الوحي وهو في غار حراء، يوم الاثنين لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان).

* كيف كان صيام النبي عليه الصلاة والسلام في رمضان؟

- كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، إلا أن هذا الجود والكرم كان في الحق سبحانه وتعالى، فكان صلى الله عليه وسلم أجود الناس، كان في شهر الصوم جوادا فوق الجود حتى انه شبهوه في الجود في هذا الشهر الكريم بالريح المرسلة عموم هبوب ونفحة أنفاس بذلك أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهر المعروف بأنه شهر حرمان، أطلق عليه بأنه شهر العطاء.

وهو حرمان النفس لتستقبل عطاء الرب، وشاء الله أن يجعل من هذا الشهر الذي أنزل فيه القرآن شهر مدارسة لما نزل بين الروح الأمين الذي نزل به والنبي الكريم الذي أنزل عليه فهو إذن بمثابة زيادة التوثيق والتحقيق لما نزل حتى يستقر محفوظا كما شاء أن يكون محفوظا في الصدور.

ويشاء الله جل وعلا أن يجعل من آخر رمضان في حياته صلى الله عليه وسلم أن تزداد نوبة المدارسة إيذانا بأن الأمر قد أكمله الله سبحانه وتعالى وتمت نعمته وشاء الله، كما جعل من نهاره صياما أن يجعل من رسوله صلى الله عليه وسلم، أسوة قيام ليله لأن الليل هو زمن تجلي الحق على الخلق بإنزال القرآن في ليلة مباركة وشاء الله أن يجعل من رسوله صلى الله عليه وسلم أسوة سلوكية تعيش بعض رمضان في خلوة مع الله اعتكافا في بيته وخلوصا من كل ما يشد النفس البشرية إلى مادية الحياة فما أحسن المسلمين لو أنهم أعادوا في أنفسهم كل سلوك للنبي صلى الله عليه وسلم، ليجعلوه سلوكا مهما في استقبال رمضان صياما وإنفاقا وقياما واعتكافا إذن لأخذوا شحنة من هذا الزمان تعينهم على تقوى الحركة في كل زمان، بحيث لا يعيش الناس رمضان من أجل رمضان ولكن ليعيشوه من أجل كل زمان.

* ما السبيل المناسب الذي يمكن أن يتبعه المسلم في إخراج زكاة الفطر؟

- فرض الله تعالى زكاة الفطر؛ لكي تكون طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، والمعنى المراد أن زكاة الفطر طهارة للصائم، وكثرة في ثوابه، ومواساة للفقراء والمساكين، فمتى أخرجها قبل صلاة العيد فهي الزكاة المقبولة وإلا فهي كباقي الصدقات.

وفي هذا حث على المبادرة بإخراجها قبل الصلاة، وإلا فقد قال جمهور الفقهاء إن إخراجها قبل صلاة العيد مستحب، وهذه الزكاة واجبة على كل مسلم حر قادر على إخراجها، سواء صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أم أنثى، حرا أم عبدا، فتجب في مال الصبي والمجنون، ويخرجها عنهما وليهما، ويذكر في ذلك أن البخاري ومسلم قد أخرجا عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى والصغير والكبير، من المسلمين، وقد أوجبها النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بها في السنة التي فرض فيها الصيام، أي السنة الثانية للهجرة وقد شرعها الله، ولا تسقط هذه الزكاة بالتأخير، بل تصير دينا في ذمته حتى يؤديها ولو في آخر عمره.

تأخيرها عن صلاة العيد، دون ضرورة تدعو لذلك محرم، لأن هذا التأخير يؤدي إلى فوات المقصود منها، وهو إغناء الفقراء، وسد حاجة المحتاجين، أما عن مقدار الصدقة فهو صاع من القمح أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الاقط، أي اللبن الجاف، أو نحو ذلك مما يعتبر قوتا. فعلنا ذلك فإن الله سبحانه وتعالى يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى.