إن نظرة شاملة سريعة إلى المسار التاريخي لتطور الموسيقى العربية المتقنة تكشف عن ثنائيتين متلازمتين حكمتا هذا المسار حتى العصور الحديثة، أولهما، تلازم الموسيقى والغناء، فالنتاج الرئيسي لتأليف الموسيقى الجادة المتقنة في الحضارة العربية كان يعبر عن نفسه بالتلحين للصوت البشري، جماعيا كان أم فرديا.
حيث أن تاريخ الموسيقى العربية هو نفسه تاريخ الغناء العربي، أما الثنائية الثانية، فهي تلازم الغناء العربي بالقصيدة الفصحى، فإنه رغم أن الحدود بين العامية الحجازية ولغة العرب، كانت متداخلة في صدر الإسلام، إلا أن القصيدة الفصحى بقي لها مركز الصدارة في الغناء العربي المتقن وبالرغم من ظهور اللهجات المحلية، التي اقتصرت على الغناء الشعبي (فولكلور).ومع أن الموشح قد عاد في العصر الأندلسي إلى تضييق الهوة بين الفصحى والعامية، مستنبطاً لوناً لغوياً غنائيا يبسط الفصحى ويتلاعب بها في مزيج غريب بينها وبين اللهجات المحلية، فقد بقيت القصيدة الفصحى، حتى في عز ازدهار فن الموشح، في مركز الصدارة في الغناء العربي المتقن، حتى ان عددا لا بأس به مما وصلنا من الموشحات القديمة، وما تم تلحينه من الموشحات في القرنين الأخيرين.
فيما بين حلب والقاهرة، وألوان المألوف السائدة في بلاد المغرب العربي،كامتداد لفنون الموسيقى والغناء الأندلسيين. إن هذا التراث من الموشحات ظل يعتمد إلى حد كبير على القصيدة العربية الفصحى، إلا أن الأمر اختلف في عصور الانحطاط التي فصلت فيما بين العصور الذهبية للحضارة العربية والقرنين الأخيرين، فلم يكن الشعر العربي وحده هو الذي يتدهور، بل إن التدهور لحق كل نشاط عربي حضاري. وعلى رأس ذلك فنون الموسيقى والغناء، ولكن من الثابت أن الفراغ لم يكن كاملا في تلك العصور، فكما حفظ لنا القرآن الكريم لغتنا العربية في فلك أشبه بفلك نوح ظل عائما على أمواج بحور الانحطاط وحتى أوصلها إلينا بكامل رونقها وبهائها في العصر الحديث،إن تجويد القرآن الكريم، والتواشيح والأناشيد الدينية، قد حفظت الكثير من ثروة المقامات العربية والإيقاعات العربية جسرا بين العصور الذهبية والعصر الحديث، مرورا فوق عصور الانحطاط.
مركز الصدارة لكن هذه الأسباب التي استعرضناها بلمحة خاطفة، لم يكن غريبا أن تعود القصيدة الفصحى إلى مركز الصدارة، عندما عادت روح النهضة تدب في الإقليم العربي الأوسط (مصر)، وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ولاشك بأن القصيدة الغنائية كان لها من بين فرسانها الكثير في القرن التاسع عشر، فارسان مجليان هما عبده الحامولي في وصلات الطرب الغنائي، وسلامة حجازي في مسرحياته الغنائية.
أما الشيخ أبو العلا محمد فتولى التجديد وتسلم شارة القيادة من سابقيه، ليقوم بسد الثغرة الكبيرة التي تركها سيد درويش في مهمته التحديثية الكبرى في حين أطلق لعبقريته ولروحه الوثابة العنان في كل مجالات الموسيقى والغناء العربيين، ما عدا مجال القصيدة الغنائية، فلم يكن تصديه لأداء هذا الدور منطلقا من فراغ، فهو إلى جانب اتصاله العميق بأساليب تجويد القرآن الكريم والابتهالات والتواشيح الدينية.
فقد كان يعمل مذهبيا في فرقة عبده الحامولي، أي أنه كان بلغة العصر الحديث عضوا في الكورس الذي ينشد وراء كبير مطربي القرن التاسع عشر. ويبدو أن الشخصية الوقورة للشيخ أبو العلا هي التي دفعته إلى أن يحصر اهتمامه الفني بالقصيدة الغنائية، دون سائر ألوان التراث الهائل للغناء العربي في القرن التاسع عشر.
وقد كان ذلك من حسن حظ تطور الموسيقى العربية، فخدمات أبو العلا محمد في هذا الحقل، إذا نظرنا إليها الآن في الإطار العام لتراث القرن العشرين وكما تؤهل هذا الشيخ المغني إلى أن يحتل موقع مؤسس فن القصيدة الغنائية العربية في القرن العشرين، وذلك عبر أداء عدة مهمات تأسيسية.
تسجيل التراث قام الشيخ أبو العلا محمد بالإفادة من ظهور عصر التسجيل على أسطوانات، ليسجل بعض أهم قصائد عبده الحامولي بصوته، فيحفظها من الاندثار، وأهم هذه القصائد قصيدة (أراك عصي الدمع) للشاعر أبي فراس الحمداني، مما دفع عدداً كبيراً من مطربي مطلع القرن العشرين إلى تسجيل هذه القصائد بأصواتهم، حتى ان هذه القصيدة لها أكثر من عشرة تسجيلات مختلفة بأصوات أكثر من عشرة مطربين ومطربات.
كذلك انصرف الشيخ أبو العلا إلى تلحين عدد كبير من القصائد على النمط التقليدي المتجدد الذي أطلقه عبده الحامولي، ويكفي للدلالة على التواصل الدقيق بين قصائد الحامولي وأبو العلا محمد، وقدرة التلميذ على مجاراة أستاذه في الأسلوب كما في المستوى، المقارنة بين لحن الحامولي لقصيدة (أراك عصي الدمع) ولحن أبو العلا محمد لقصيدة (وحقك أنت المنى والطلب)، فكأنهما لملحن واحد.
كذلك كان للشيخ أبو العلا واحد من اثنين كان لهما الفضل في الاكتشاف المبكر لموهبة أم كلثوم، وإقناع والدها بالانتقال بها من الريف إلى القاهرة وفي تحولها من الإنشاد الديني إلي احتراف الغناء، والثاني هو زكريا أحمد، وبعد ذلك تولى الشيخ أبو العلا من العام 1923 عام انتقال أم كلثوم إلي القاهرة، وحتى عام 1927 عام وفاته تدريب أم كلثوم علي أداء فن القصيدة الغنائية بشكل خاص، فحفظت منه وسجلت بعد ذلك على اسطوانات ألحان قصيدتي الحامولي (أراك عصي الدمع) ثم (أكذب نفسي).
ثم سجلت من ألحانه مجمعة من القصائد التقليدية (على طريقة الحامولي) أشهرها (وحقك أنت المنى والطلب) و(الصب تفضحه عيونه). وهكذا، فإن المشهد العام لفن القصيدة الغنائية العربية في الربع الأول من القرن العشرين،كان يتألف من خطين متوازيين متكاملين، خط القصيدة التقليدية، المؤسسة على أسلوب تجويد القرآن الكريم.
وأساليب التواشيح الدينية، مع الاعتماد على إيقاع هادئ يسميه المحترفون إيقاع الوحدة الكبيرة، مع مراعاة بناء لحن القصيدة الواحدة على مقام أساسي واحد البياتي أو الهزام أو سواهما، مع السماح بتلوينات مقامية عابرة، ولكن مع التزام صارم بأن تعود قفلة القصيدة إلى مقامها الأساسي في المطلع، ولاشك بأن صاحب الاسم الأبرز والفضل الأكبر في هذا الخط بالذات هو الشيخ أبو العلا محمد.
والخط الثاني هو خط القصيدة التقليدية ذات النكهة المسرحية، التي قد تشبه القصيدة التقليدية العادية في كثير من الأحيان، ولكنها تختلف عنها أحيانا باحتواء مقاطع مرسلة من غير إيقاع،ومحاولة التعبير الدرامي أو الرومانسي بما تفرضه المشاهد المسرحية لهذه القصائد.
ولاشك بأن فارس القصيدة الغنائية العربية المجلي بعد هذين المؤسسين محمد عبد الوهاب، غرف كثيرا من ينبوعي أبو العلا محمد وسلامة حجازي، قبل أن يفجر ثورته الكبرى في تلحين القصيدة الغنائية العربية الحديثة. الميلاد والنشأة ولد أبو العلا بن محمد بن حافظ، حفيد الشيخ العدوي من ناحية الأب، والأمير حسن كتخدا من ناحية الأم في الثامن من شهر أغسطس عام 1878 في قرية بني عدي التابعة لمركز منفلوط محافظة أسيوط بوسط الصعيد.
فكان مولده لأسرة عريقة مشهور عنها الحسب والنسب، ومن ثم حرص والده على إلحاقه بكتاب القرية ليحفظ القرآن تمهيدا للتقدم بأوراقه إلى الأزهر. وبالفعل حفظ الشيخ أبو العلا محمد القرآن الكريم وهو لا يزال سنه لا يتعدى عشر سنوات، وسرعان ما ألحقه والده بالأزهر الشريف ليكمل تعليمه.
واشتهر بين أقرانه بالصوت الحسن وإلقاء الشعر، فكانت بدايته مع حفظ القرآن والتعليم بالأزهر إلا أن حبه للشعر وعشقه للغناء وإلقاء القصائد والأناشيد الإسلامية دعته يتحول إلى فن الغناء والإنشاد الديني، ونبغ نبوغاً تاماً في إلقاء القصائد على طريقة عبده الحمولي، الذي عني بتقليده فيها وفي سائر أغانيه الساحرة، وقد تخرج على يديه عدد كبير من كبار مطربي عصره وعلى رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، وذاعت شهرته بين مشاهير الطرب في عصره، وقام بتلحين مجموعة من القصائد الشعرية الدينية لكبار الشعراء، وسجل بصوته نخبة من القصائد والأغاني علي إسطوانات.
وعلى محطة قطار السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، قال القدر كلمته عندما شهدت المحطة لقاء الطفلة الصغيرة أم كلثوم مع والدها مع الشيخ أبو العلا محمد وكان ذلك اللقاء دون موعد سابق، فخلال تواجد أم كلثوم مع والدها على محطة القطار لمحت الشيخ أبو العلا محمد فأسرعت إليه وصافحته، وطلبت منه الذهاب معها إلى منزل الأسرة بقرية (طماي الزهايرة) التابعة لمركز السنبلاوين.
وبالفعل ذهب معها وعندما استمع لصوتها قال لوالدها: حرام عليك أن تحبس هذه الموهبة في قرية صغيرة ونصحه بالانتقال إلى القاهرة عاصمة الفن والشهرة وبالفعل استجاب الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي لنصيحة الشيخ أبو العلا محمد، واستقرت الأسرة في القاهرة، ولم يبخل الشيخ أبو العلا محمد على أم كلثوم بفنه وتجاربه، وغنت بلحنه في أول قصيدة تشجي بها لشاعر الشباب أحمد رامي، تحت عنوان (الصب تفضحه عيونه)، وذلك في عام 1924 ميلادية، وفي عام 1926 غنت قصيدة (وحقك أنت والمنى) أشعار الشاعر الشيخ عبد الله الشبراوي، وتواصل العطاء الفني بينهما بعد ذلك.
رزق الشيخ أبو العلا محمد من الأبناء بولدين وست بنات، وكان ابنه الدين جلال الدين أبو العلا يرغب في الزواج من أم كلثوم، ولكن لم تتحقق رغبته، لعد اتفاق الطرفين علي هذه الزيجة.


