هل شبعتم من سيرة صاحب الموافقات عمر بن الخطاب رضي الله عنه؟ لا أظنك ولا أنا، فمن ذا الذي يزهد في سيرة الفاروق العظيم الذي شهد له الأعداء بالفضل قبل الأصدقاء. وهكذا مضى صاحب رسول الله ومن أعز الله به الإسلام ورافع راية الشورى ومؤصل العدل وشهيد المحراب راضياً مرضياً إلى ربه تاركاً الأمر شورى بعده يستخلفه واحد من ستة حصر الاختيار فيهم قال عنهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو راضٍ عنهم.

تقول المراجع الإسلامية إن التشاور على اختيار خليفة للمسلمين من بين أولئك الستة الذين عينهم عمر، بدأ وهو لا يزال على قيد الحياة. ويلخص الأستاذ عدنان النحوي الأسباب التي دعت عمر لاختيار الستة وهي:أولاً: كان يدرك واقع المسلمين في ذلك الظرف بكل ملابساته وحساسيته، وقد لمح إلى ذلك عبر كلامه، ولكنه ــ أي عمر ــ لم يعط تفاصيل فهمه لواقع تلك اللحظات الأخيرة من حياته، كان يدرك فضل هذا أو ذاك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كان يدرك أيضاً علاقات وروابط وأحاسيس خشي معها أن لو استخلف منهم رجلاً لحمل على كتفيه حملاً ثقيلاً، يستبان ذلك من قوله: «أكره أن أحملها حياً وميتاً».

ثانياً: أنه وجد هؤلاء الستة مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ.

ثالثاً: إن الناس لا يعدلون أحداً بعد هؤلاء الستة فهم الصفوة وهم القدوة في نظر الناس لا يختلفون في ذلك. أدرك عمر ذلك بقوة لاحظته وثاقب فكره.

رابعاً: أنه سواء استخلف بعده أم لم يستخلف فقد وجد أمامه رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف فقد ووجد أبا بكر وقد استخلف، فهو ـــ كما سبق أن أشرنا ــ في كلتا الحالين لا يجد غضاضة فيما يفعله بقي أن نتعرف على أولئك النفر الستة الذين رشحهم عمر. حسب كتب التاريخ والسيرة هم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيدالله والستة جميعهم ضمن العشرة الذين بشرهم من لا ينطق على الهوى بالجنة.

وهكذا كان اختيار عمر عن دراية بهذه المجموعة التي اختارها ونحن المسلمين لا نحتاج لمزيد من الشرح أو تفاصيل حول هؤلاء الرجال.اجتمع الرجال الستة لتداول الرأي والمفاكرة حول من يتفقون عليه ليعلنوه للناس لأخذ البيعة له. وكان من البديهي أن يحب كل واحد منهم أن يفوز بهذا الشرف العظيم أن يكون أميراً للمؤمنين في ذلك العهد المبكر من عمر المسيرة الإسلامية.

ومن أجل ذلك تفيد المراجع أن خلافاً دب بينهم في هذا الأمر ولو لم تسجل المراجع هذا الخلاف فإن تكون غير صادقة، فكيف يكون نقاش وكيف تكون شورى في مثل ذلك الأمر الحساس ولا يكون هناك رأي، وآخر معاكس له، ولكن ذلك الخلاف لا يمكن أن يكون غوغائياً أو فوضوياً أو سفسطياً، حاشاهم أن يكون اختلافهم كذلك وهم صفوة الصفوة وحسم الأمر ــ حسب المراجع ــ عبدالرحمن بن عوف الذي أعلن أنه خلع نفسه من قائمة الترشيح بمعنى أنه لا يريد أن يكون مرشحاً للخلافة.

ثم طلب من القوم أن يجعلوا أمرهم إلى ثلاثة نفر حتى تضيق الدائرة، وكان اقتراحاً وجد القبول فجعل الزبير أمره إلى علي وجعل طلحة أمره إلى عثمان وجعل سعد أمره إلى عبدالرحمن بن عوف. فأتمر أولئك الثلاثة حين جعل الأمر لهم فإذا علمنا أن عبدالرحمن بن عوف خلع نفسه منها بداية فالأمر إذن قد حصر في علي وعثمان.

تقول الروايات إن ابن عوف استشار الصحابة وأمراء الأجناد وأشراف الناس فأشار بعضهم بعلي وأشار بعض آخر بعثمان. قالوا ان ابن عوف راح بعد ذلك يختلي بعلي مرة وبعثمان أخرى.

قال لعلي: إن لك من القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والتقدم ولي الله عليك لئن استخلفت لتقلدن ولئن استخلف عثمان لتسمعن له وتطيعن قال: نعم، وخلا بعثمان وقال له مثل ذلك. وخرج عبدالرحمن بن عوف الذي كان بمثابة المقرر أو المنظم لتلك البيعة إلى الناس في الموعد الذي ضربه عمر وقدم لهم المرشحين: علياً وعثمان لكنه بسط يده فبايع عثمان وثناه علي في رضا تام وطيب خاطر فبايع الناس بعد ذلك عثمان وهكذا أصبح هو الخليفة الثالث.

وتم ذلك الاستفتاء في سهولة ويسر وعدم تعقيد لأن القائمين عليه كانوا صادقين في توجيههم الإيماني، تدرج الأمر من ستة إلى ثلاثة ثم إلى اثنين وانتهت التصفية إلى واحد هو عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعاً فقد قادوا السفينة إلى بر الأمان رغم انف المعوقين ومثيري الفتن ومؤججي نيرانها.

رضي الله عن عمر عشنا معه في موقف حسم الاستخلاف، ونعود معه في لقطات قبل ذلك ــ إذا صح التعبير ــ فهذا هو في قصة خروجه إلى الشام وقد لقيه في طريقه أمراء الأجناد أبو عبيدة وأصحابه فأخبره خبر الطاعون هناك وانه اخذ صورة الوباء فجمع عمر حوله الناس يتشاور معهم في هذا الأمر، هل يمضي بالناس فيعرضهم للخطر والإسلام في ذلك الوقت محتاج للكثرة العددية، أم يعود بالناس من حيث أتى؟

فاختلف الناس في هذا الأمر بعضهم أشار بالمعني وعدم الفرار من قدر الله والبعض أشار بعدم المغامرة والعودة إلى المدينة حفاظاً على الجموع من الوباء، وكان عمر برغم استشارته لهم يميل قلبه ويطمئن بالعودة بالناس، وجمع إليه الأنصار فاختلفوا كذلك، فدعا عمر إليه من كان معه من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح كل ذلك ليجد من يؤيده في العودة فوجد ذلك عندهم وبالإجماع فقرر على الفور العودة بالناس. وهنا يروى أن أبا عبيدة بن الجراح تصدى له قائلاً: أفراراً من قدر الله؟

قال له عمر: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ولأن عمر ــ رغم استفتاء قلبه له، كان لا يرتاح إلا لسن من الكتاب أو السنة فجاءه عبدالرحمن بن عوف ــ وكان متغيباً في بعض حاجته ليريحه بحديث يحفظه عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ونصه: «إذا سمعتم به ــ أي الوباء ـــ بأرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وانتم بها فلا تخرجوا فراراً منه» وهي قاصدة سبق الإسلام بها كل قوانين الحجر الصحي المعاصرة فحمد الله عمر ثم انصرف بالناس عائداً وهو مرتاح الضمير هذا عمر الذي لم نعش مع أخباره إلا نزراً رضي الله عنه.