رغم أنها وسيلة من وسائل الانتقال بين ضفتي «الخور» تنقل البشر من «بر ديرة» إلى «بر دبي» والعكس، إلا أنه لا يعرف لماذا كان ينظر إليها نظرة تختلف باختلاف الطريقة التي كانت تجري بها على مياه «الخور» الذي كان يقسم مدينته إلى قسمين لكل واحد منهما طابعه الخاص الذي لا يشبه الآخر.كان يشبِّه (العبرة) التي تعمل بواسطة المحركات بالطائرة النفاثة، وكانت (العبرة) التي تبحر على سطح الماء بالمجداف تذكره بالجمل الذي يتهادى على رمال الصحراء في ليلة مقمرة شديدة الإبهار عظيمة المؤانسة.
ولأنه من عشاق الصحراء والجَمال والليالي ذات النجوم والأقمار المبهرة فقد كان يفضل (عبرة المجداف) ويجد فيها روحا يفتقدها لدى تلك التي تبحر بواسطة المحرك رغم ما تتمتع به من سرعة فائقة وثبات على سطح «الخور» الذي لا يعكر صفوه سوى هدير محركات السفن الداخلة إليه والخارجة منه و«العبرات» التي تحمل جموع البشر المتنقلين بين ضفتيه على مدار الساعة في حركة لا تهدأ، مانحة مدينته الساحرة صخبها المحبب إلى نفس كل من يسكنها أو يزورها، واضعة إياها على خريطة المدن ذات النكهات الخاصة التي لا تخطئها ذائقة أولئك الذين يعرفون كيف يفرقون بين مدينة وأخرى، مثلما يفعل صُنَّاع العطور وهم يمزجون روائحهم بمقادير محسوبة ليخرجوا منها بعطور لا تتشابه روائحها رغم تشابه مكوناتها.
يتأمل المسافة التي تفصل بين محطة (عبرة المحركات) ومحطة (عبرة المجداف) في كل من «ديرة» و«دبي» فيجدها قريبة جدا، لكن المسافة بين وقع كل واحدة منهما في النفس شاسعة. كان هدير (عبرات المحركات) يقطع عليه حبل أفكاره ويشده إلى الماء الذي كانت تجري عليه، بينما كان وقع المجاديف وهي تلامس سطح الماء يبحر به نحو عوالم يتمنى لو بقي محلقا فيها بين الماء والسماء.
يحدث كثيرا أن تركن إلى عالم الدعة والطمأنينة وأنت ترى كل الأشياء التي تحبها حولك فلا تحسب حسابا لعامل الزمن الذي كثيرا ما يسلبك الأشياء الجميلة التي تحبها، لذلك كانت صدمته كبيرة عندما عاد ذات يوم من سفر طويل فخطر له أن يتفقد تلك (العبرات) ذات المجاديف التي كان يراها مستقرة في مرساها المقابل للمكتبة العامة بـ «ديرة». فقد اقتصر مستخدمو تلك (العبرات) التي كانت معلما من معالم مدينته التي يحبها على السياح الأجانب فقط.
سأل: وأين ذهب أولئك المواطنون الذين كانوا يستخدمونها قبل أن يغيب عنها كل هذه الفترة؟ فكان الصمت جوابا لم يلحقه بسؤال ثانٍ. تقدم من «العبّار» الذي لم يحر جوابا سائلا إياه عن المبلغ الذي عليه أن يدفعه لجولة ربما تكون الأخيرة في «الخور» الذي كانت تمخر عبابه وقتها عشرات (العبرات) ذات المحركات ولا يجد مجدافا واحدا يلامس سطحه. طلب «العبار» منه الركوب ودفع المبلغ الذي يريد. ساعتها أحس بأنها ربما تكون آخر رحلة له على هذا النوع من «العبرات».
لا يعرف بالضبط كم استغرقت الرحلة التي طلب فيها من «العبار» أن يبحر بطول «الخور» بدلا من عرضه كما اعتاد أن يفعل، لكن الذي يعرفه جيدا هو أن كثيرا من الصور التي شاهدها أثناء تلك الرحلة قد تداخلت مع صور أخرى مخزونة في الذاكرة كان استدعاؤها ضروريا في لحظة الإبحار تلك التي ربما لا تتكرر. حدث هذا قبل سنوات لم يعد يتذكر عددها. واليوم كلما مر بذلك المكان تذكر تلك الرحلة واستعان بها كي تنتشله من (العبرة) التي توشك أن تخنقه ولا يجد منها مهربا إلا إليها.
