»عبد الرحمن منيف«، روائي وأديب ومفكر عربي كبير مبدع، وعلى الرغم من مكانته الرفيعة في الصف الأول من المبدعين العرب المعاصرين، وعلى الرغم من حسن تقدير الأوساط الأدبية العربية له ولعطائه القيم النفيس، فإنه محدود الشهرة بين عامة الجماهير العربية..

كان عزوفاً عن أضواء الحوارات الصحفية والإذاعية والتليفزيونية، لا يحب أن يتحدث فيها عن نفسه وأفكاره ومواقفه، ربما لوعيه بأن أجهزة الإعلام نفسها ـ ولأسباب يتفهمها ـ زاهدة في ذلك، وربما تجنباً لما لابد ـ أو لما يمكن ـ أن يثيره الحوار من مشاكل ومضايقات وملاحقات. أو لعله كان حريصاً على عدم تبديد شيء من طاقاته الفكرية والشعورية، وادخارها ليصبها ويسري بها إلى خلايا إبداعاته: أحداثها وشخوصها وأفكارها ومشاعرها. والحق أنه نجح في ذلك أعظم النجاح، فجاءت أعماله الأدبية مثالاً بليغا وصادقا في بلاغة التعبير عن الحياة العربية في تحولاتها المثيرة، وبخاصة في تلك الأماكن والبقاع المسكوت عنها، أو المعتم على ما جرى ويجري داخلها. وفي أعماله المثيرة تلك، أسرى بكل ماجاش في عقله ووجدانه من أفكار ومشاعر ورؤى وخبرات وتجارب، ولا نبالغ حين نقول: إن الملامح الخاصة لأديبنا، منتثرة.

بجلاء في كلماته ورواياته. ولعل غياب التحديد القاطع للأمكنة فيها هو الأثر الفني لكونه ـ بحكم مولده ونشأته وانتماءاته وتنقلاته وتوجهاته الفكرية ـ »أديباً بلا حدود«. ولقد قال يوما في حوار إذاعي من الحوارات القليلة، التي أجريت معه: »ظروفي الخاصة اضطرتني للانتقال من مكان إلى مكان، فتبين لي أن الأمكنة تقريبا متشابهة، أو تكاد تكون واحدة، من حيث طبيعة الحياة، والمشاكل، ونوعية الناس، وحتى ملامحهم. لذا فقد قضي أن يكون المكان العربي هو المكان الذي يشكل الساحة التي تعني لي الشيء الكثير، وفي الوقت نفسه فإن التحديد أو عدم التحديد لا يعني بالضرورة تخصيص مكان دون غيره«.

في سنة 1933، في مدينة »عمان« الأردنية، ولد »عبدالرحمن منيف«، لوالد سعودي الجنسية من نجد، وأم عراقية، وشاءت الأقدار أن يقضي الأب نحبه في السعودية بينما زوجه وابنه في عمان، التي نشأ فيها وتلقى تعليمه حتى أتم دراسته الثانوية، فارتحل إلى »بغداد«، وطن أمه، والتحق بكلية الحقوق جامعة »بغداد«.

كان ذلك عام 1952، في الفترة التي حفلت بأحداث وطنية وقومية، وشهدت تكالب القوى الاستعمارية على الوطن العربي بعامة، والعراق بخاصة، وإدخالها ـ بالأحلاف ـ إلى منطقة النفوذ والسيطرة الاستعمارية.

في عام 1955، ونتيجة لفورة الغضب والرفض الشعبي لحلف بغداد، ومظاهرات الطلبة التي شارك فيها بفاعلية »عبدالرحمن منيف« وزملاؤه من الطلاب السوريين والأردنيين والفلسطينيين وغيرهم، قررت السلطات العراقية إبعاده ومعظم الطلاب العرب عن العراق. كانت »مصر« آنذاك تعيش الربيع الباكر لثورة يوليو، واتضحت توجهاتها القومية، ففتحت صدرها لمن يشاء من أبناء العروبة، وبخاصة المناضلون والمضطهدون والملاحقون من سلطات العملاء والمستبدين.

وصل »عبدالرحمن منيف« إلى »القاهرة«، فألحق بكلية الحقوق بجامعتها، وتخرج فيها عام 1958، أي أنه عاش وتفاعل فيها مع صعود المد القومي الذي توج بالوحدة الرائدة بين »مصر« و»سوريا« في فبراير 1958. من »القاهرة« طار »منيف« إلى »يوغوسلافيا«، حيث أتم دراساته العليا في جامعة »بلغراد«، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، في تخصص اقتصاديات النفط.

في عام 1961 وصل »عبدالرحمن منيف« إلى »دمشق«، مؤهلا للعمل في »الشركة السورية للنفط«، كما واصل نشاطه السياسي في حزب البعث، وسحبت منه جنسيته السعودية سنة 1963، وفي عام 1972 سافر إلى »لبنان« للعمل في مجلة »البلاغ« وفي بيروت أفصح عن موهبته الروائية الكامنة، وأصدر روايته الأولى »الأشجار واغتيال مرزوق« سنة 1973.

وفي عام 1975 عاد إلى العراق، وتولى رئاسة تحرير مجلة »النفط والتنمية« حتى عام 1981، حيث ارتحل إلى فرنسا متفرغاً للكتابة. وفي عام 1986 عاد إلى »دمشق«، واستقر مقامه بها مع زوجته السورية وأولادهما، مواصلا نضاله القومي بإبداعه وكتاباته النقدية ومشاركاته السياسية في نصرة قضايا الأمة، والتصدي للعدوان عليها، وفي مقدمة ذلك الغزو العدواني الأميركي للعراق.

كانت روايته الأولى تلك أول الغيث الذي ما لبث أن انهمر سخيا فياضا على مر أيام عمره، كما كانت الافتتاحية الشجية الدالة لسيمفونية تجربته الروائية المتفردة الجسورة في اقتحامها للعالم الغامض الرهيب والبائس في الحياة العربية الحديثة، عالم القمع والقهر والاضطهاد والخوف.

والتحولات »الدراماتيكية« في المجتمعات العربية، وبخاصة مجتمعات النفط في الخليج والجزيرة العربية. كان بطل الرواية أستاذا جامعيا لمادة التاريخ، لا يدور في فلك السلطة، الأمر الذي جعله عرضة للمراقبة والملاحقة التي حولت حياته إلى جحيم من الخوف والقلق، حتى من القط الرابض على سور الحديقة المجاورة الذي رأى فيه مخبراً في جلد قط.

ومع أنه صار حذرا يرفض الإجابة عن الأسئلة، فإنهم فصلوه من العمل وألقوا به إلى الضياع، وأرسلوا له يقولون: لن نكرمك بأن ندخلك السجن لتصبح بطلاً وشهيداً. ولكن لن نعطيك فرصة العيش براحة مادمت عندياً هكذا.. في العام التالي ـــ 1974 ـــ أصدر روايته »قصة حب مجوسية« كانت محاولة للنفاذ إلى أغوار الذات العربية الشرقية وما تكابده من تقلبات وموروثات وقمع وقهر، وذلك من خلال تجربة حب بين عربي وغربية.

وفي عام 1975 هز الضمير الأدبي بروايته »شرق المتوسط« التي يشير عنوانها بوضوح إلى منطقتنا العربية والشرق عموماً. وما يطبق على أصحاب الرأي من قهر وكبت وتعذيب في المعتقلات، وقد وصفها الناقد الكبير الدكتور علي الراعي فقال: »إنها تصور لنا موقف صاحب الرأي إزاء أدوات التعذيب.. إلى متى يستطيع صاحب الرأي أن يصمد في وجه أناس أصبحوا من فرط ممارسة القسوة والعنف أدوات لا بشراً؟!«.

وتوالى انهمار الغيث، فأصدر عام 1976 روايته »حين تركنا الجسر«، وعام 1977 روايته »النهايات«، وعام 1979 »سباق المسافات الطويلة«، وفي العام نفسه أصدر بالاشتراك مع أصفى أصدقائه الكاتب الفلسطيني العراقي »جبرا إبراهيم جبرا« روايتهما »عالم بلا خرائط«.

في »سباق المسافات الطويلة« رصد الدكتور »منيف« تجربة »إيران« أيام محاولة الدكتور »مصدق« الاستقلال بنفط بلاده، وتواطؤ القوى الغربية على إفشال محاولته، أما في »النهايات«، فيتخذ مسرحاً لها قرية سماها »الطيبة«، وعنها يقول الدكتور »جبرا«: »قرية محددة ذات جغرافية وتضاريس معينة، لكنها في الوقت نفسه كل قرية في بلد عربي.

وربما في أي بلد في العالم، وربما كانت أيضاً رمزاً لكل قرية يتوق الإنسان إلى العودة إليها، هارباً من قحط العالم وموته، لائذاً بخصبها وميلادها المتجدد. القرية الرحم، والقرية المرجع يهددها القحط، لكنها لا تمحق، وتبقى. إنها مرثية للجنة التي بقيت حاضرة في أذهان أهل القرية، رغم أن أرضها راحت تشح، ومياهها تقل..«.

في عام 1984 بدأ الأديب بلا حدود »عبدالرحمن منيف« نشر درة إبداعاته، خماسية »مدن الملح«: »التيه«، ثم »الأخدود« 1985، و»تقاسيم الليل والنهار« 1989، ثم »المنبت« 1989، وأخيراً »بادية الظلمات« 1992.

كانت هذه الخماسية ملحمة روائية عربية، فذة، تروي الواقع وتطوراته على الأرض وفي نفوس البشر في البادية العربية التي أنشأ النفط فيها مدناً جديدة، بقيم مغايرة. يقول الدكتور »جبرا« مخاطباً »منيف«: »لا أظن أن كاتباً عربياً ـــ روائياً أو غير روائي ـــ كتب في الماضي شيئاً يقارب ما كتبت في هذه الرواية. وبعد أن كتبتها لا أظن أن كاتباً عربياً سيجرؤ على أن يكتب شيئاً مثلها في المستقبل.

في الرواية نفس ملحمي لا أعرف مثله في أي عمل روائي عربي. إنه يذكرني بالروايات الكبرى التي كتبت في الغرب في النصف الأول من هذا القرن. التأني، الاسترسال، الاتساع المستمر، تسجيل فترة من تاريخ المجتمع العربي المعاصر لم يلتفت إليها جدياً أحد، أو لم يرها بهذا العمق، وهذا الحب، وهذه اللوعة.

أما »عبدالرحمن منيف نفسه«، فيقول: »بالنسبة لي هناك روايتان تتمتعان بخصوصية، الأولى: »مدن الملح«، لأنها غطت مرحلة تاريخية كاملة، وتناولت هماً واحداً بالنسبة لبلادنا. والرواية الثانية: »شرق المتوسط« الأولى والثانية، باعتبار أنها تطرح موضوعاً حساساً، ويشكل هاجساً بالنسبة لكل مواطن عربي. لذلك أتصور أن هناك نوعاً من القرابة الشخصية بيني وبين هاتين الروايتين«.

صدرت رواية »الآن هنا« أو »شرق المتوسط مرة أخرى« عام 1991، لتهز الضمير العربي بعنف، يصوره الأديب والمسرحي المبدع »سعد الله ونوس« بقوله: »حين فرغت من رواية عبدالرحمن منيف الجديدة، أحسست حلقي جافاً، وغمرني شعور ذاهل بالعار. كيف نعيش حياتنا اليومية، ونحن نساكن هذا الرعب الذي يتربص بنا هنا.. والآن؟! أي صملاخ بليد يحجب عن أسماعنا الصراخ والأنين، كي نواصل نومنا كل ليلة؟! أي ذاكرة مثقوبة تلك التي تتيح لنا أن نتناسى الآلاف الذين يهترئون؟!«.

أما »عبدالرحمن منيف« نفسه« فيقول في روايته على لسان بطلها: »الجلاد لم يولد من الجدار، ولم يهبط من الفضاء. نحن الذين خلقناه، كما خلق الإنسان القديم آلهته، ثم بدأنا نخاف منه، إلى أن وصلنا إلى الامتثال والطاعة والرضا، وأخيراً إلى التسليم«.

واستمر هطول الغيث، فصدرت روايته »لوعة الغياب« 1989، ثم ثلاثيته »أرض السواد« 1999 التي سجل فيها تاريخ العراق الحديث وتطور أحوال مجتمعه. وكان من أواخر أعماله كتابه عن الفنان التشكيلي السوري المغترب في ألمانيا »مروان القصاب«، وكتابه »عروة الزمان الباهي« عن صديق له موريتاني، رأى في حياته صورة لحياة مجتمعه.

كذلك أصدر عدة كتب أخرى في الأدب والثقافة والسياسة والاقتصاد. وفي عام 1989 كرمته »مؤسسة سلطان العويس الثقافية« بالإمارات بجائزة الرواية، ثم توج »بجائزة القاهرة للإبداع الروائي« التي منحت للمرة الأولى، عام 1998. وفي يوم السبت الرابع والعشرين من يناير عام 2004، فاضت روح الأديب بلا حدود، حيث ووري في ثرى مقبرة »الدحداح« »بدمشق«، منهياً رحلة حافلة من الترحال والعناء والإبداع، بلا حدود.

عبدالوهاب قتاية