منذ وقت ليس بالقصير، أجمع المعماريون والباحثون العرب والمسلمون على أهمية بلورة نقد معماري يتلمس التعامل مع العمارة الإسلامية، في سياقها المسجدي، من خلال مستويات عدة.
فلابد من النظر إلى العمل المعماري، المسجد في هذه الحالة، باعتباره بناء، وهو أبسط أنواع النقد والتقويم وأكثرها مباشرة، حيث يعتمد على النظر إلى مدى استجابة المبنى للجوانب الوظيفية، والصفات الجمالية، هكذا يتحتم النظر في الحجم ومعالجة الفراغات والضوء والمواد والألوان وغيرها من العناصر ودراستها معاً وتقويم ما تقدمه من تأثيرات مادية وحسية على المستوى التالي لابد من النظر إلى البناء في سياقه المادي، بمعنى دراسة سلبيات وايجابيات العلاقة بين المبنى والبيئة المحيطة به، مثل مدى التناسق أو التنافر وما إذا كان مقصوداً من عدمه.فمن البديهي أن علاقة المسجد بالبيئة المحيطة به، سواء أكانت طبيعية أو صناعية، يمكن أن تقوي أو تضعف من قيمته المعمارية. هناك ثالثاً البناء في سياقه الحضاري، ويشمل مدى ملاءمة المسجد وتوافقه مع التراث الحضاري، الذي تعبر عنه حصيلة الاشكال البنائية، التي أنتجتها المهارات التي أفرزها المجتمع عبر التاريخ.وهناك رابعاً البناء في سياقه الفكري على المستويين المحلي والإقليمي، بمعنى النظر في مدى تأثير المسجد في الاتجاهات المحلية وإضافته إلى المستوى الفكري للمنطقة. وهناك خامسا النظر إلى علاقة المسجد بالهوية الإسلامية عموما والهوية الاقليمية للمنطقة التي أقيم فيها.
وهناك سادسا البناء في سياقه الدولي، فخلافاً لما يعتقده الكثيرون فإن أصغر مسجد يشيد يفرض النظر إلى مكانته باعتباره جزءا من الشبكة الدولية للتيارات والأساليب والمدارس المعمارية ومدى إسهامه في تطويرها أو بلورتها، وحتى إذا لم يشيد المسجد، وإنما ظل في مرحلة التصميم، فإنه في أحيان كثيرة يفرض الاهتمام به من هذا المنظور، حتى لو بقى حلماً لم يغادر أوراق مكتب التصميم. ويحضرني في هذا الصدد مثالان لا يغيبان عن الذاكرة، على الرغم من أنهما لم يقدر لهما أن يشقا طريقهما إلى التنفيذ قط: ٭ تصميم المعماري راسم البدران، الذي فاز بالمرتبة الأولى في مسابقة مسجد الدولة الجامع الكبير ببغداد. ٭ تصميم المعماري نادر أردلان للمسجد الذي وظف فيه المقرنص كوحدة معمارية أساسية في المسجد كله، في تطبيق مدهش للعلاقة بين الرؤى الصوفية وعمارة المساجد.
أيا كان الأمر، فإن هذه الأبعاد تظل جديرة حقاً بأن ننظر من خلالها إلى جامع سعد بن الربيع بالفجيرة. وأول ما يلفت نظرنا في هذا الجامع هو تلك الإيماءة القوية التي تحملها كل تفاصيله إلى عمارة داخل شبه الجزيرة العربية، وعلى وجه التحديد إلى العمارة النجدية. دعنا نلاحظ الحضور القوي لكتلة البناء المنغلقة على داخلها، بما في ذلك الغياب التقليدي للقبة. ورفض المبالغة في ارتفاع هذه الكتلة بأي شكل من الأشكال، والاكتفاء في ادخال النور الطبيعي إليها بالأبواب الضيقة، التي تقابلها عند المدخل ثلاثة عقود حدوية، تتولى وظيفة حمل الثقل دون رفع المدخل عنا باقي كتلة المسجد المستطيلة الممتدة. تصافح عيوننا المئذنة القائمة من الأرض والمنفصلة عن كتلة قاعة الصلاة، ولاحظ أن شرفاتها المتعددة تكاد تكون مجردة من أي زخارف، باستثناء الشرفة العليا.
في قاعة الصلاة، تنهض غابة من الأعمدة التي ترفع السقف، والتي تتصل عبر عقود مستقيمة تقريباً، وتدل تدرجاتها الجانبية بوضوح على أصلها النجدي. وخلافاً لما نجده في العمارة النجدية من التقشف التقليدي في المشروع الزخرفي، فإننا هنا أمام مشروع زخرفي بديع، يعتمد على الزخارف الهندسية والنباتية وحشوات الخط المنفذة بالجص في ثراء ناجح لأصداء التعامل في العديد من مناطق الخليج مع هذه المادة، ولكن دون إفراط ولا إسراف.
حائط القبلة يكاد يخلو تماماً من مؤثرات المشروع الزخرفي، باستثناء الحشوة الخطية التي تدور حول أعلى المحراب، لافتة النظر إلى عمقه الغائر، الذي يحتل جانب منه المنبر الخشبي البسيط، الذي يكاد يكون إيماءة وظيفية وجمالية سريعة أكثر منه أي شيء آخر.
كامل يوسف - تصوير: محمد منور



